آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

7/23/2011

أشكينازيم سيفارديم —–في الأردن - لرفيق الناظر


على مدار ثلاثة وستين عاماً ونحن نتابع حركة المجتمع اليهودي في الداخل الإسرائيلي ، هذا المجتمع الذي تم تكوينه جزءًا فوق جزء ولبنةً فوق لبنة من شتى الأصول والمنابت والجهات من مختلف أنحاء العالم. وعلى مدار هذه السنوات الطويلة التي مرّت علينا ونحن نشاهد علاقة هذا المجتمع ببعضه البعض وماهية الأساليب المتبعة داخل هذا المجتمع في تسيير أموره وعلاقاته. وقد لاحظنا وأدركنا أن المجتمع الإسرائيلي في الكيان هو عبارة عن مجتمع مكون من يهود العالم بقسميهم الغربي والشرقي.
وحقيقة إن التركيبة الداخلية للمجتمع الإسرائيلي هي بطبيعتها تركيبة متنوعة أي أنها إستطاعت أن تمزج مكوناتها المختلفة طيلة هذه الفترة بشكل ناجح وهذا واضح في السياسات الإسرائيلية المتبعة في الداخل الإسرائيلي وحتى في الخارج وهذا من المنظور الإسرائيلي الداخلي الذاتي. ولكن هذا التجانس لم يكن ناجحاً كما هو موضح ومبين لنا كمجتمعات قريبة منه، وأن هذا التجانس قد لقي العديد من التوترات والتناقضات بين مكوناته من أفراد المجتمع، وليس كما هو واضح في السياسات الإسرائيلية التي تسعى بكل جهد توضيحه بأن المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع متماسك وموحد.

§ والمتابع لتركيبة المجتمع الإسرائيلي يجد أن هذا المجتمع مكون من مكونين أساسيين وهما اليهود الغربيين والذي يطلق عليهم مصطلح ( الاشكينازيم) وهم اليهود الذين أتوا من بولندا وليثوانيا وروسيا وهم من أصول فرنسية والمانية وقد تبنّوا " الطقس اليهودي الجرماني" ، والقسم الآخر هم اليهود الشرقيين والذي يطلق عليهم مصطلح ( السيفارديم) وهم اليهود الذين أتوا من اسبانيا وفرنسا وهولندا وانجلترا وايطاليا و البلقان وتركيا وشمال افريقيا ، وقد تبنّت هذه الطائفة " الطقس اليهودي الاسباني" وبالتالي فإن مصطلح " اشكينازيم" بالعبرية يعني المانيا و" سيفارديم" يعني اسبانيا ، وهذه اشارة الى اختلاف داخلية المجتمع اليهودي حتى في اعتماد الطقوس والشعائر الدينية اليهودية الخاصة بهم.

§ موسوعة المورد ، منير البعلبكي ، 1991


وهذا هو الجانب التكويني للمجتمع الاسرائيلي منذ بداياته، وقد أدى هذا الاختلاف الى خلق نوع من طبيعة العلاقة الاجتماعية بين اليهود في مجتمعهم إتسمت بالتناقض والاختلاف في جميع مناحي الحياة الاجتماعية اليهودية نظراً لاختلاف تكوينها وكدليل قطعي بأن المجتمع اليهودي لم يكن لحظة واحدة مجتمعاً وموحداًَ ، وكدليل قطعي آخر بأن المجتمع مختلق اختلاق ومزروع بالقوة على أرض ليست له من البداية.

وقد ظهرت العديد من الصفات لهذا المجتمع جرّاء التعايش الطويل فيما بينه أدت الى تطورها داخلياً وظهورها خارجياً كسمة واضحة لا يمكن إخفاءها عن حقيقة المجتمع الاسرائيلي. إن اختلاف المجتمع الاسرائيلي في مكوناته خلق نوعاً من التزعزع وعدم الاستقرار الداخلي في اسرائيل وحتى في المنطقة. مما جعل منظور القوة الاسرائيلي غير مستقر وغير قادر على خلق التمازج الحقيقي بين افراد مجتمعها، وهذا يعود لسبب الاختلاف التكويني للمجتمع.
وحتى من المنظور السياسي والعسكري الاسرائيلي نجد أن غالبية الشخصيات المعتمد عليها في هذا الجانب هم من الاشكيناز ويشكلون الجزء الاكبر من رجال الدولة المعتمد عليهم في السياسات الخارجية والحربية. أما السيفارد فهم لا يكادوا أن يكون لهم تمثيل في هذا الجانب ويشكلون الجزء الكبير من عامة الشعب العاديين والذي ينتشر فيهم حالات الفقر والبطالة وسوء المعيشة.
وعلى هذا الاساس من التناقض والتنافر في المجتمع اليهودي تجد مظاهر العنصرية والاقليمية متفشية الى حد كبير وإيحاءات هذه السمة برزت في مختلف مناحي الحياة حيث أن التعامل بين الاشكيناز والسيفارد هو بمثابة مؤشر حساس جداً لبيان مدى الضعف والهشاشة الذي يعاني منها جسد الدولة العبرية منذ تأسيسها.

لن أطيل الحديث عن هذا المجتمع الموحد ظاهرياً والممزق حقيقةً ولكن الحديث بداية عنه كان لابد منه وذلك لتوضيح الصورة المراد توصيلها من هذه الكتابة. نظراً لأن سمات هذا المجتمع أصبحت ترمي بأطرافها نحو المجتمعات القريبة منها وبالأخص منها المجتمع الأردني. وباتت تشكل خطراً ملموساً على سير العلاقات الاجتماعية بين افرادها داخلياً وخارجياً.



وبما أن الحديث الآن عن المجتمع الأردني فلا بد أن نعلم أن تركيبة المجتمع الاردني لا تختلف كثيراً عن تركيبة المجتمع اليهودي في اسرائيل ولكن تختلف من منظور آخر وهو أن أصول تركيبة المجتمع هي من اصول عربية واحدة. وعملية التوطين داخل هذا المجتمع كانت نتيجة لعوامل سياسية أو بالأحرى نتيجة للعبة سياسية قذرة من عدة أطراف عالمية عربية وغربية، وقد نعلم أن التركيبة الفعلية لهذا المجتمع جاءت تبعاً للأوضاع التي آلت اليها فلسطين بعد نكبة فلسطين عام 1948م ونكستها عام 1967م . مما جعل عدد كبير من أبناء الشعب الفلسطيني آنذاك ينتقلون الى الأردن كلاجئين مما جعلهم فيما بعد جزءًا من التركيبة المجتمعية للأردن. وطوال سنوات الاحتلال الاسرائيلي لم تكن الأوضاع الداخلية في الأردن مستقرة بل شابها الكثير من عدم الاستقرار وهذا يعود لعوامل عدة من أهمها رفض الشعب الفلسطيني فكرة الوطن البديل والتوطين الدائم في الأردن وهذا حق للشعب الفلسطيني لا غنى عنه.

ومع بقاء الشعب الفلسطيني كجزء من الشعب الأردني الحالي فقد عانى هذا الشعب من بقاءه في الأرض الأردنية رغم أنه يشكل الغالبية العظمى من نسبة السكان في الأردن ويتمتع غالبيتهم بالجنسية الأردنية كمواطنين أردنيين ولكن من أصول فلسطينية. وكلمة شعب أردني من أصول فلسطينية شكلت تحدياً كبيراً لهم وبالتالي سببت الكثير من أسباب الانقسام في داخل المجتمع الأردني وهذا ما عمل على ظهور ما يسمى بالإقليمية من قبل جهات متخصصة وهادفة في هذا المجال لا يرضيها التواجد الفلسطيني على الأرض الأردنية كما يزعمون. وكأن التواجد الفلسطيني بنظرهم جاء برغبة من الفلسطينيين.
ومن هذا الجانب فقد لعبت العديد من التنظيمات السياسية والحزبية وحتى المدنية منها دوراً في عملية اتساع مظاهر الإقليمية المدروسة والهادفة الى زعزعة التواجد الفلسطيني الذي هو في الأصل تواجد غير مرغوب فيه من قبل هذه الجهات وهؤلاء الأشخاص.والساعية الى تقليله وتخفيضه وهذا الأمر ليس بالأمر السلبي لنا كشعب فلسطيني بل يعود بسلبياته على الأردن في الدرجة الأولى وذلك للعديد من الأمور الواضحة للأردن وخارج الأردن، وبالتالي إن عملية محاربة التواجد الفلسطيني كجزء من الشعب الأردني لا يعد أمراً بمصلحة الأردن بل ضده في جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية وحتى في استقراره ككيان جغرافي سياسي له أهدافه المؤسس لأجلها ومن أجل تحقيقها.

وعندما أقول بأن الاشكينازيم والسيفارديم أصبحت تشكل ميزة غير مباشرة لهذا المجتمع فإنني أوصل فكرة صريحة بأن المجتمع الأردني وفي الوقت الحالي وأكثر من أي وقت مضى أصبح مجتمعاً مقسوماً الى قسمين أو مكونين رئيسيين كما هو الحال في المجتمع الإسرائيلي المقسوم بذاته الى قسمين. لقد أصبح المجتمع الأردني في الداخل مجتمعاً هشاً تذروه الرياح من كل جانب بسبب قوى الشد العكسي المتفشية بداخله ومن المنظومة العشائرية الجامدة ومن الممكن أن تكون أيضاً من بعض الجهات الفلسطينية المتواطئة.
في هذا الوقت يلاحظ بأن مصطلحي شرق الأردن وغرب الأردن أو بالأحرى إن صح التعبير مصطلحي " أردني ،فلسطيني" أصبح يزداد شيئاً فشيئاً يوماً بعد يوم وهذا ما يشبه المصطلحين اليهوديين في المجتمع اليهودي. مما يجعل وطأة الإقليمية تزاد يوماً عن يوم ومظاهر العداء بين الأردنيين والفلسطينيين تزداد توتراً ولهذا الوضع أهدافه التي تخدم جهات عديدة من مصلحتها الضرر بالشعب الفلسطيني.

أن المجتمع الأردني يمر بحالة انقسام غير مسبوقة أن الاستمرار في هذا الانقسام سيعود بسلبياته على الأردن كواقع وبالتالي خطورة الأزمة تزداد شيئاً فشيئاً وبهذا التزايد فإن المخاوف من تهديد المنطقة بزعزعة جديدة باتت وشيكه. لذا فإن عملية التنفير بين أفراد المجتمع ستلقي بظلالها في الإطار الأول على وضع الأردن ككيان سياسي وبالتالي فإنه لرّبما سيتعرض لحالة ضعف سياسي وهنا سوف تزداد المخاوف لتصبح أكثر قسوةً وبالتالي فإن مستقبل الحياة الإجتماعية في الأردن معرّض للانهيار نهائياً وبالتالي فقد يفتح المجال الى حدوث ما لا نحمد عقباه. ولربّما من هذه المخاطر ترسيخ وطأة السطوة الصهيونية في المنطقة. وبالتالي إحكام السيطرة الامبريالية الأمريكية على المنطقة بشكل رسمي وعلني ودون الحاجة الى تواجد أنظمة رجعية أو امبريالية مساعدة لتواجدها ، وبعدها سوف نكون نحن كشعوب المنطقة قد وقعنا في مواجهة قوة عالمية امبريالية بدلاً من مواجهة هذه الأنظمة المتواطئة لها وبالتالي سوف تصعب المواجهة والتقدير للمستقبل.

ومن هنا فإن ظهور سمة الاقليمية في المجتمع الأردني يُعد أمراً في غاية الخطورة لم نلمس خطورته بعد بل الخطورة تكمن فيم إذا استمرت هذه الظاهرة وتوسعت لذا علينا التيقظ واستيعاب الوضع الراهن من الآن كما هو قبل أن يتعاظم ويتسع ويحدث ما سيحدث.