آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاضل الربيعي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاضل الربيعي. إظهار كافة الرسائل

5/24/2015

لماذا سقطت الموصل، لماذا سقطت الأنبار وماذا عن الدولة الكردية؟

مدينة الموصل


الكاتب: فاضل الربيعي

العراقيون الذين يشعرون بالمرارة من سقوط الموصل ثم الأنبار في قبضة ( داعش) غالباً ما ينسون- بفعل هول ما حدث- الحقائق البسيطة التالية :

أولاً : أن صدام حسين كان في ذروة قوته حين انسحب فجأة- ودون قتال- من إقليم كردستان عام 1991 بعد ما سميّ بالانتفاضة الشعبانية.لقد قرر صدام حسين فجأة الانسحاب من مناطق اربيل و السليمانية و دهوك وتركها كليا . الغريب في الامر انه لم يتطرق يوما الى سبب الانسحاب دون قتال. ومع ذلك، ترك صدام حسين كل الإقليم الكردي وعاد إلى بغداد. أكبر دليل على أنه كان في ذروة قوته- أيّ قوة الجيش العراقي السابق- أن الجيش العراقي عاد ليجتاح أربيل عام 1996، أي بعد خمس سنوات فقط، حين استنجد به مسعود البارزاني لوقف اجتياح قوات جلال الطالباني. لقد طارد الجيش العراقي قوات جلال حتى حدود السليمانية مع أربيل. ولأيام تالية كاد الطالباني لمراة الهزيمة واليأس أن يطلب اللجوء السياسي في إيران؟ فلماذا انسحب صدام حسين من الإقليم الكردي وهو في ذروة قوته؟ لم يكن هناك أي مبررّ أو سبب منطقي. هذا سؤال للتاريخ؟

ثانياً : وحين حدث الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وكان القتال شديدأً في الجنوب( البصرة) كان عزة الدوري، نائب الرئيس الراحل صدام حسين يقود منطقة الشمال. فجأة، ترك الدوري الفيلق الخامس بكل أسلحته لتنهبه قوات مسعود وجلال؟ فلماذا انسحب الدوري من الموصل، ولماذا ترك سلاح فيلق كامل بكل اسلحته النوعية، بينما لم يقع أي قتال مع الأمريكيين؟ ولماذا تمّ تسليم سلاح الجيش العراقي إلى الأكراد؟

ثالثاً : كان نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي في ذروة قوته ، حين فضّ بالقوة اعتصامات الأنبار وفرض نفسه على العملية السياسية كرئيس وزراء قوي، لقد كان الجيش بأكمله تحت أمرته ويطيع كل أمرٍ له. لكنه فجأة ودون أي مقدّمات، هرب من الموصل تاركاً لداعش اسلحة بمليارات الدولارات؟ فلماذا هرب الجيش القوي ودون أي قتال؟ هذا سؤال آخر للتاريخ؟

رابعاً : كان السيّد حيدر العبادي في ذروة قوته كرئيس وزراء توافقي، وأصبح أقوى حين تباهى مزهّوا بانتصارات الحشد الشعبي في تكريت بعد طرد داعش؟ فلماذا هرب الجيش (المنتصر للتوّ)، فجأة ودون قتال، تاركاً الأنبار بكل معسكراتها وأسلحتها النوعية التي تقدّر بالمليارات لداعش؟ هذا سؤال آخر للتاريخ؟

خامساً : يتضحّ من كل ما سبق، أن العراق مقبل على السيناريو التالي: اعادة إنتاج حرب أربيل- السليمانية.
انتظروا الحرب الكردية- الكردية. السليمانية تجتاح أربيل أو العكس. لا فرق في غياب صدام حسين. وفي غرب العراق، انتظروا معركة داعش السنيّة ضد القبائل السنيّة التي سوف تسلحها واشنطن. هكذا، حرب كردية- كردية في الشمال، وحرب سنيّة- سنيّة في غرب العراق. بقي أن ننتظر حرباً شيعيّة- شيعيّة في الجنوب: إقليم البصرة ضد إقليم كربلاء- النجف- الكوفة: شيعة ضد شيعة.عصائب أهل الحق ضد التيار الصدري، هكذا، هكذا، ببساطة.

من كل ما تقدّم من أسئلة، يمكن للمرء أن يستخلص وبنزاهة الفكرة التالية:

ايها السّادة الزعماء، أنتم جميعاً، من صدام حسين مروراً بالدوري، والمالكي، وانتهاء بالعبادي تلعبون اللعبة نفسها: عندما تصبح قوياً، اهرب واترك لنا الوقت الكافي والأسلحة لتقسيم العراق كما نشاء. نريد للمتقاتلين أن يتسلحوّا جيدأً، لكي تكون الكراهية بين المتصارعين أقوى، ويكون التقسيم حلاً وحيداً.

ليس العبادي وحده من هرب من الرمادي، هم جميعاً هربوا دون قتال. تذكروا هذا؟
المزيد...

5/19/2015

خرائط داعش: من الموصل إلى الرمادي وبالعكس، هكذا، بالعكس دائماً

مدينة الرمادي في العراق
 
الكاتب: فاضل الربيعي

كان سقوط الرمادي مدّوياً مثل سقوط الموصل. هكذا، ببساطة تمّ استنساخ تجربة سقوط الموصل حين كان العراقيون يتحدثون عن معركة فاصلة هناك. لقد وجدوا أنفسهم ، فجأة أمام مدينة أخرى تباع بطريقة غامضة ودراماتيكية، ولنقل أنها ُقدّمت مجاناً. هذا يعني أن العراقيين اكتشفوا بأنفسهم أنهم يتقدّمون خطوة واحدة إلى أمام وأن عليهم أن يتراجعوا خطوتين إلى وراء. لا يحتاج الأمر إلى( لينين) آخر لتفسير ما يجري.

ثمة لعبة من نوع ما في سقوط المدن وهروب الجيش بطريقة مخزية اللغز تعرفه بكل تأكيد، قوى كبرى وإقليمية ومحلية.

كان العراقيون يتأهبون لتحرير الموصل، نعم. لكنهم استفاقوا فجأة ليدركوا ن عليهم أن يحررّوا الرمادي قبل ذلك. وغداً، سوف تبدأ معارك أخرى اكثر دموية وبشاعة في الرمادي ثم في الموصل وبالعكس.لسوف ينزف العراقيون كثيراً، سنة وشيعة.
في النهاية هو دم العراقيين. وفي النهاية هي مدنهم التي يتصارعون حولها.

هكذا في كل يوم قادم من الآن وحتى عشر سنوات قادمة على الأقل، سوف يذهب العراقيون خطوة إلى الأمام، ليعودوا في اليوم التالي خطوتين إلى وراء. هذه هي اللعبة. يجب أن تسقط مدن وتتحررّ أخرى، ثم تسقط، وتتحررّ، وهكذا، حتى تصبح ( خرائط داعش) قابلة للتفاوض.

لكل هذا، لا يتعيّن على حكومة السيّد العبادي أن تبيع الأوهام للعراقيين. يجب أن تكون صريحة مع شعبها، ولتعلن الحقيقة كما هي، هكذا وببساطة. هناك لعبة كبرى لرسم (خرائط داعش ) قبل التفاوض معها. ما يجري في العراق شبيه بما يجري في بلدان أخرى، تسقط مدينة وتتحررّ أخرى، وفي اليوم التالي يحدث العكس، هكذا، يحدث العكس دائماً. هذه هي اللعبة.

لو كنت في موقع السيّد العبادي وكان التاريخ شاخصاً بجبروته أمام بصري، يطالبني بالتوقيع على وثيقة ( العهد ) معه: إما أن احافظ على وحدة العراق أو ، بالعكس، التواطؤ على تمزيقه، لفعلت ما يلي:

1: ساقوم دون ترددّ باصدار إعلان عن نهاية العملية السياسية وتعطيل العمل بالدستور المشبوه الذي فرضه الأمريكيون، وحلّ البرلمان واعتقال كل الجماعات السياسية السنيّة والشيعية ومن يزعمون أنهم ممثلي ( المكوّنات الأخرى) باعتبارهم شركاء في صناعة الفوضى والجريمة. إنهم جميعاً ( المافيا السياسّية) التي تبيع وتشتري بالعراق. ولذلك، سأطلب من القضاء إصدار مذكرات جلب وملاحقة لكل جماعات المافيا السياسية.

دون حملة وطنية للتخلص من هذه المافيا، لا معنى لأي معركة. سنعود من الرمادي ونتجه نحو الموصل ثم من الموصل نحو الرمادي وبالعكس، هكذا وبالعكس دائما حتى عقود قادمة من الخراب والدم.تتحررّ مدينة ، ثم تسقط أخرى في اليوم التالي. هذه هي ( خرائط داعش) اضربني هنا، ساضربك هناك. هكذا، حتى عقود قادمة من الدم.

2: حلّ الجيش باعتباره مؤسسة تافهة وفاشلة ولا معنى لوجوده. إنه صناعة أمريكية مصممّة لان تعطي الإنطباع أنها جيش مهلهل وجبان. لا معنى لبلد لديه جيش جبان. من الأفضل أن يكون هناك بلدٌ بلا جيش، أفضل ألف مرة من بلد لديه جيش جبان.
3: الإعلان عن تحويل ( الحشد الشعبي) إلى قوات مسلحة جديدة تؤول إليها ميزانية وزارة الدفاع كاملة، وفتح باب التطوع الجماهيري لتشكيل قوات رديفة تساند الجيش الجديد. يجب تحويل الحشد الشعبي إلى قوات تحرير شعبية بصرف النظر عن أي ( هويّة) فرعية، طائفية أو فكرية.

3: الإعلان بوضوح أن لا تسليح للعشائر. لا السنيّة ولا الشيّعية. العشائر مكانها الطبيعي في مضاربها لا في سوح القتال. منْ قال أن الدولة تحتاج للقبائل؟ هذه مزحة أمريكية صدّقها الشيوخ من الطائفتين السنيّة والشيعية لشبك مصالح مالية مع المافيا السياسيّة؟ إن شهوتهم للمال والبذخ تفوق رغبتهم للقتال. دعوا القبائل والعشائر في مضاربها تتسلى بمواقد النيران في الشتاء وبحكايات النساء في الصيف. إنه للامر مضحك أن يتحدث السياسيون عن الديمقراطية وفي الآن ذاته عن دور العشائر؟

4: إعلان حالة الطوارئ الشاملة في البلاد لمواجهة خطر التقسيم. هناك حرب دولية- إقليمية لتقسيم العراق، تشارك فيها قوى محليّة.
هذا يعني أن المسؤولية التاريخية تفرض على المسؤول عن مصير العراق الإعلان عن النفير العام وحشد كل قوى المجتمع، بصرف النظر عن الدين والمذهب والإيديولوجيا للقتال من أجل صيانة وحدة العراق. إذا تصرّف العبادي كزعيم عراقي لا كعضو في حزب الدعوة، فسوف تكون أمامه فرصة لأن يترك اسمه في صفحة من صفحات التاريخ.

4: لقد برهنت كل تجارب التحررّ الوطني في التاريخ المعاصر من تجربة الثورة الفلسطينية، حتى تجربة حزب الله، وأخيراً تجربة الحوثيين في اليمن، أن الجيوش لا يمكنها أن تواجه حروب عصابات، وأنّ تنظيم مقاومة شعبية حقيقية هي السبيل الوحيد للتحرر الوطني.

حل الجيش الحالي وتتشكيل قوة شعبية جديدة هو السبيل الوحيد لخوض حرب تحرير شعبية ضد التكفيرّيين ولمواجهة ( خرائط داعش).

5: كفوّا عن بيع الأوهام للعراقيين وصارحوهم بالحقيقة المرّة: حكاية الرمادي مثل حكاية الموصل . إنها جزء من ( خرائط داعش).

ليس أمام العراقيين سوى أحد أمرين: إمّا ان يمنعوا فرضها بالقوة أو يقبلوا بالصفقات المشبوهة.

6: إذا لم أفعل كل هذا، وبسرعة، ودون ترددّ، فذلك يعني أنني أرسل المساكين إلى حفلة جنون.
المزيد...

3/29/2015

هل ينبغي أن نفهم إيران؟ (3) - خطاب الكراهية الجديد

 الاستاذ المفكر فاضل الربيعي
الكاتب: فاضل الربيعي

توسّع فارسي أم خطر شيعي؟

شاعت خلال السنوات الأخيرة في المؤلفات والكتب والمقالات والتعليقات السياسية، تصوّرات ومواقف عن خطر إيراني مزعوم يهددّ العالم العربي، يمكن تلخصيها في فكرتين متناقضين تقول إحداهما، أن هذا الخطر له طابع قومي صرف، ولذا فهو خطر فارسي، بينما تقول الأخرى أنه خطر مذهبي، ولذا فهو خطر شيعي. وفي نطاق التدليل على صحة هذا التصوّر، غالباً ما يلجأ مُروّجوه إلى التاريخ الإيراني ليستلّوا منه وقائع ومعطيات زائفة. إن النقد السياسي لسلوك إيران كدولة أمر مشروع لا جدال فيه، ومن حق أي شخص أن ينتقد سياساتها هنا أو هناك، لكن ليس من حق أي أحد، أن يتلاعب بتاريخ أي بلد، أو أن يُرغم وقائعه وأحداثه على قول ما لم يقله. إن أحد أكثر أوجه التلاعب مأسويّة بتاريخ إيران في الأدبيات السياسية العربية السائدة، تتجلىّ في وجود نزعة لا حدود لها لتزييّف الوقائع وابتكار المصطلحات السخيفة، فما من ناقد لإيران إلا وزعم أن هذا التاريخ بكل ما فيه هو تاريخ أطماع فارسية أو شيعية، وأن إيران الحديثة، هي ذاتها القديمة بأطماعها التوّسعية ونزعتها ( المذهبية). إن نقاشاً موضوعياً يبتعد عن روح الإنتقام ويتحرّى بأكثر ما يمكن من الحيادية العلمية والنزاهة، صحّة ما ينقل من وقائع وأحداث، والتدقيق فيها وفحصها والتأكد من صلابة مقولاتها، هو وحده الذي يمكنّا من تقديم فهم افضل لإيران مهما كان رأينا بها، ضدها أم معها. من حق كل ناقد لإيران أن يقررّ الموقف الذي يؤمن به، ولكن شرط أن يكون نزيهاً وموضوعياً في معالجة وقائع التاريخ. ولئن كان ( نقد إيران) في الأدبيات السياسية العراقية- العربية وفي الدراسات الفكرية- التاريخية السائدة، انتج معرفة زائفة ومُضللة اضحت خلال العقود الماضية مادة مُهْيمنة في نظام التعليم المدرسي والدينيّ وفي وسائل الإعلام ؛ فإن التغاضي عن الحاجة الملحّة لدراسة إيران، ورفض أيّ محاولة جادّة لتقديم فهم خلاق ومغاير، سوف يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تعميم هذه المعرفة الزائفة في المجتمع؛ بل وتحوّلها بواسطة التشهير السياسي الرخيص والتحريض الإعلامي المتواصل إلى ثقافة مجتمعية صلبة يصعب زعزعتها.

انقدوا إيران ماشاء لكم، لكن حذار من قراءة تاريخها بشكل مغلوط. لقد بيّنت وقائع وأحداث السنوات القليلة الماضية ، أن ( نقد إيران) كان يرتكز إلى ما يُزعم أنه ( تاريخ إيران الحقيقي ) فيقال غالباً، أن لها اطماعاً فارسية قديمة ومتواصلة، وأن تاريخها الحديث يؤكد ذلك. كما يُزعم أن هذه الأطماع هي من طبيعة مذهبية، وأن إيران الفارسية لا تطمع في أرض العرب وحسب؛ بل وتشكل خطراً مذهبياً ( شيعيّاً ) داهماً. ومع تعميم هذين التصوّرين الزائفين اتتشر نوع مرضي من الخوف بات مُهيمناً على الخطاب السياسي العربي. في مصر مثلاً، وخلال حقبة حكم محمد مرسي، بلغت هستيريا ( الخوف من الخطر الشيعي) ذروتها حين قامت مجموعة من المهووسين بقتل عائلة رجل دين مسلم بطريقة وحشيّة، حين جرى سحلها في ازقة حي من أحياء ضواحي القاهرة، بحجة أنه ( شيعي) وذلك ما اضطرّ الكاتب الصحفي والمؤرخ الشهير محمد حسنين هيكل للقول خلال ندوة تلفزيونية، وهو يعبّر عن غضبه من هذا السلوك الوحشي، أنه حصل على احصائية رسمية تبيّن أن عدد الشيعة في مصر لا يتجاوز 18 الفاً؟ وللمرء أن يتساءل عن سرّ ( الشيعة فوبيا ) هذه في بلد تعداده 90 مليوناً ؟ مم تخاف هذه الملايين من المصريين؟ من 18 ألفاً ؟ هذا شئ مريع ولا يمكن تصديقه. إن ثقافة من هذا النوع سوف تنشئ بكل تأكيد الأرضيّة الملائمة لا لتفجير النزاعات المذهبية في العالم العربي على نطاق أوسع فأوسع؛ بل وتحرث الطريق وتهيئ الظروف لظهور نمط جديد من الصراعات يحلّ فيه ( العدو الوهمي) محل ( العدو الحقيقي). بفضل التزييف والتلاعب بالجماهير والتاريخ والثقاقة القديمة، سوف يكون لدينا بديل عن الخطر الذي يهدد العرب، أي خطر الصهيونية وإسرائيل، لتصبح إيران ( والشيعة) هما الخطر الجديد. وهذا وحده كاف لتفجير صراع عربي- فارسي، بديل عن الصراع العربي-الإسرائيلي. في هذا السياق، سوف أورد الواقعة التالية وهي مهمّة للغاية في أيّ تحليل سياسي رصين: في نهاية عام 1980 وبعد أشهر من الحرب العراقية- الإيرانية زار محمد حسنين هيكل بغداد بدعوة من صدام حسين. في هذا اللقاء سأل الرئيس صدام ضيفه : قل لي، ماذا تعتقد؟ كم يلزمنا من وقت لهزيمة إيران؟ ردّ هيكل قائلاً : أستطيع أن أقول لك انها حرب ال100 عام؟ دهش صدام حسين، فقال بعد لحظة تأمل : حسناً، دعنا نلتقي اليوم على العشاء. ساتصل بطارق عزيز لينضمّ لنا. في ذلك المساء سمع طارق عزيز رأي هيكل في مسار الحرب العراقية الإيرانية، لكنه لم يصدّق أبداً ، ولا للحظة واحدة، أن هذا التقدير يمكن أن يكون واقعياً.

بعد ثماني سنوات من هذا اللقاء اليتيم، توقفت الحرب مع إيران، لكنها فعلياً تواصلت بأشكالٍ أخرى، فالأحزاب الدينية الموالية لها ضاعفت من نشاطها العسكري والسياسي في العراق. في عام 1990-1991 كان العراق يدخل في ( الفخ الكويتي) ولتبدأ منذئذٍ حقبة سوداء من الحصار الدولي المدّمر، تصبح فيها إيران لاعباً رئيساً في الداخل العراقي ( خلال هذه الحقبة حدث ما يعرف بالإنتفاضة الشعبانية وسقطت 14 محافظة عراقية في قبضة الأحزاب الشيعية وكادت بغداد تسقط). في عام 2003 قام الأمريكيون بغزو العراق، واصبحت إيران لاعباً رئيساً. هذا يعني أن الحرب مع إيران استمرت بوسائل أخرى، واصبح عمرها في لحظة سقوط بغداد فعلياً 23 عاماً ( 1980-2003). اليوم يصبح عمر هذه الحرب 35 عاماً. ألا يعني هذا أنها حرب طويلة قد تستمر 100 عام؟ فهل هي حرب من أجل أطماع ( قومية- فارسيّة) أم من أجل أطماع ( مذهبية- شيعيّة)؟ في المرحلة الأولى من الحرب العراقية- الإيرانية جرى تعميم تصوّر يقول إن ما يواجه العراق والعالم العربي ، إنما هو خطر فارسي، وان أطماع إيران هي أطماع قديمة مستمرة ومتواصلة. وفي المرحلة الثانية جرى تعميم تصوّر زائف موازٍ يقول، إن إيران تمثل ( خطراً شيعيّاً )؟ اليوم، وبعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب يجري دمج هذين التصوّرين الزائفين في صورة خطر مزدوج: إنه الخطر الفارسي- الشيعي؟
الآن دعونا ندّقق أولاً- من منظور التاريخ المُتلاعب به- في صحّة هذين التصوّرين الزائفين المخادعين .

1 : إذا كان هناك خطر فارسي قديم يهدّد عروبة العرب، فمن المهم أن نحصل على دلائل من التاريخ،تؤكد وجود أطماع فارسية في الأرض؟ متى قام الفرس بالضبط، بشن حروب ضد العراق والعرب كان هدفها الإستيلاء على الأرض ؟ ليس لدينا أي واقعة واحدة من التاريخ تؤيد مثل هذا التصوّر؟ أجل، هناك حروب في التاريخ البشري تدور حول فكرة التوسع والإستيلاء على الأرض. لكن هذا المعطى التاريخي الصحيح ، لا يتيح لنا الفرصة والحق لنفترض أن كل حرب أو نزاع حدودي هو ( اطماع قومية). كانت هناك حروب قاسية، لكنها لم تكن ذات طابع توّسعي. إن نشوب الحروب بين الدول التي تملك حدوداً مشتركة ، ظاهرة عالمية الطابع. الفرنسيون والألمان مزقوا بعضهم بعضاً في الألزاس واللورين، لكن لم تكن هناك قط أطماع فرنسية أو ألمانية في الأرض. كان الصراع يدور في نطاق المصالح والنفوذ. الأتراك والإيرانيون تقاتلوا طوال 700عام متواصلة، ولم تكن هناك أطماع في الأرض. حتى الحرب العراقية - الإيرانية في خريف 1980 التي بدأت في صورة معارك على الحدود، لم تكن في جوهرها حرباً للسيطرة على الأرض. كانت نزاعاً تقليدياً على المصالح في النفوذ والقوة. إن الحروب بين الدول لا تقوم بالضرورة من أجل أطماع في الأرض. ثمة الكثير من الأسباب والعومل التي تؤدي إلى تفجرّ نزاعات طويلة.

فهل من المنطقي الزعم أن الخطر القومي هو في الآن ذاته (خطر شيعي) قديم تعود جذوره إلى الدولة الصفوية عام 1500م؟ هذا غير منطقي تماماً، لماذا؟ لأن الفارسيّة مكوّن قومي تاريخي من مكوّنات الهويّة الإيرانية، بينما الشيعيّة مكوّن ديني- مذهبي حديث؟ فكيف يمكن دمجهما في صورة واحدة، وهما مكوّنان متصارعان داخل الهويّة الإيرانية نفسها؟

2: وإذا كان هناك من يزعم أنه خطر شيعي ( يهدد العراق والمنطقة) فهذا تزييف لا مثيل له، لإن إيران هي التي اعتنقت مذهب أهل العراق ولم تفرضه عليهم؟ إن الأثني عشرية ليست مذهباً إيرانياً يمكن لها أن تفرضه على هذا البلد أو ذاك؟ ولذا، يصبح الزعم أن الشيعة العراقيين هم ( صفويون) من أتباع إيران كذبة رخيصة روّجها مزّورو التاريخ. كان احتلال العراق في عهد الدولة الصفوية 1501م تطوراً في سياق حروب طويلة مع العثمانيين، وهؤلاء تمكنوا مرات ومرات من احتلال العراق وطرد الإيرانيين. لقد كان الصراع يدور في نطاق المصالح الاستراتيجية الكبرى بين قوتين مركزيتين في المنطقة، سعت كل واحدة منهما لتقديم نفسها على أنها القوة المهيمنة. وفي نطاق هذه الحروب، لعب المذهبان ، مذهب أهل السنة والجماعة والمذهب الشيعي، دور الغطاء الإيديولوجي أو الأداة الإيديولوجية لتبرير الصراع أو التغطية على طبيعته طوال اربعمئة عام 1500-1900م. وبطبيعة الحال، فلم يكن من أهداف الأتراك طوال هذه القرون الأربعة فرض المذهب السنيّ، كما أن خصومهم في إيران لم يسعوا إلى فرض الشيعيّة على كل سكان العراق؟ المثير للدهشة أن الذين يرّوجون لهذا الخطاب اللاتاريخي، يجهلون أن إيران خلال الصراع مع العثمانيين السنّة، اعتنقت الأثني عشرية وهي في الأصل مذهب أهل العراق؟ أي أن إيران عادت مرة أخرى تفتش في دروب التاريخ – وهذه المرة مع انهيار دولة الإسلام- عن مذهب أو رسالة أو إيديولوجيا دينية، وقد وجدتها في العراق؟ بكلام آخر، إن من يزعمون أن إيران هي التي فرضت المذهب الشيعي على العراقيين، أو صبغته بصبغتها الصفوية أو حوّلتهم إلى ( صفويين) إنما يزّورون التاريخ بطريقة فجّة، لأن إيران تخلت في هذا الوقت عن الصفوية واعتنقت مذهب أهل العراق؟ كل ما سعى إليه الشاه عباس الأكبر بعد احتلال العراق، وتمنى تحقيقه دون جدوى، هو أن يتمكن بواسطة الضغط على رجال الدين والتجار الشيعة في الكاظمية والنجف وكربلاء، وتهديدهم بالحرمان من شبكة الروابط الروحية والتجارية مع المدن الإيرانية من الحصول على موافقتهم اعتبار ( الصفوية ) جزء من تراث الشيعية. وكان هذا أمراً مثيراً للجدل، لأن تراث الأثني عشرية في العراق هو تاريخ قطيعة مع كل الفرق الصغيرة التي خرجت عن نظرية الإمامة. لا أحد يبرئ الشاه عباس من جرائمه، فهي طاولت الشيعة والسنة معاً، لكن وبصدد هذه النقطة المحددّة، يقتضي الإنصاف التاريخي وضعها في سياقها الصحيح دون تهويل ومبالغات.

بهذا المعنى فقط، اتخذ ( الخطر الشيعي المزعوم) طابعاً خاصاً، فقد كان سجالاً داخل نظرية الإمامة الجعفرية، ولم يكن خطراً موجهاَ نحو كل المواطنين من أبناء المذاهب الأخرى. ولو كانت هناك أطماع ( مذهبية- شيعية) حقيقية، لأصبح العراق شيعياً ولتوارى أهل السنة من التاريخ؟ ألم يحوّل صلاح الدين الأيوبي مصر الفاطمية- الشيعية إلى (بلد سنيّ )؟ ألم يحوّل إسماعيل شاه الصفوي إيران السنيّة إلى ( بلد شيعي)؟ فلماذا لم يحدث الأمر نفسه مع العراق حين خضع لاحتلال الصفويين، لو كانت هناك أطماع ( مذهبية)؟ في الواقع، كان الصراع يدور في نطاق مصالح كبرى لا داخل الدين، وكانت الصفوية في هذا الوقت تلفظ أنفاسها بعد أن اعتنق إسماعيل الشاه المذهب الأثني عشري. لكن الأسرة الصفوية، ولإعتبارات تتعلق بوضعها الداخلي والتوتر المتواصل مع الجماعات الفارسية،كانت بحاجة لاعتراف رجال الدين الشيعة في العراق، بأن ( تراث الصفوية ) جزء من تراث الشيعية الجعفرية. فكيف يقال أنه فرض المذهب الصفوي على العراقيين؟ هذا تزييف للتاريخ.

3: ولتوضّيح هذا الجانب، يجب أن نلاحظ أن العرب مثلهم مثل إيران، عاشوا ما يشبه حالة تناقض أو توتر بين المكوّنين القوميّ والدينيّ داخل هويهّتم. في حالة العرب، ومع بروز حركة القومية العربية في مطالع القرن العشرين- وقبل ذلك بقليل- عاشت معظم البلدان العربية في قلب صراع بين النزعة القومية والنزعة الإسلامية. لقد غلبّت الحركة القومية نزعة العروبة على حساب نزعة الإسلام، وبالتالي، فقد شكلت حركة القومية العربية تحديّا حقيقياً للجماعات الإسلامية، نظراً لمنطلقاتها وأهدافها وأحلامها بأمة عربية، بينما كان المكوّن الديني- الإسلاموي في المجتمع العربي ينادي ب( أمة إسلامية ) واسعة تتعدى نطاق الجغرافيا العربية ؟ وفي حالة إيران، فقد عاشت إيران وماتزال، صراعاً حقيقياً بين نفس المكوّنين الرئيسيين في هوّيتها التاريخية : النزعة القومية والدين؟ وهذا حقيقي تماماً. إن الذين يرّوجون للفكرة الزائفة القائلة، إن إيران الحديثة تشكل خطراَ مزدوجاّ ( قومياً ومذهبياً ) على العرب، لا يعرفون أي شئ عن طبيعة التوتر التاريخي بين المكوّن القومي والمكوّن الديني- المذهبي في هويتها، وهو متواصل ومستمر منذ انهيار الدولة الصفوية. في عام 1500م وبعد انتصار الحركة الصوفية- الإسلامية السجلوقية واستيلائها على المزيد من الأراضي الإيرانية، كان القوميون الفرس يدفعون بإتجاه أن يغلب الطابع القومي على شكل الدولة الحديثة ودورها، بينما سعى خصومهم إلى غلبة المكوّن المذهبي.وهكذا، تفجرّ- مع انتصار الحركة الصفوية- صراع مرير بين المكوّنين التاريخيين في الهويّة الإيرانية.

مرّ هذا الصراع بأربع مراحل كبرى:
المرحلة الأولى : صراع الحركة الصوفية - الإسلامية ( المسمّاة الصفوية ) مع القوميين الفرس.اتسم الصراع طول قرنين متواصلين من 1500 حتى عام 1700م، بكونه صراعاً مرّكباً ومتشابكاً اختلطت فيه الروح القومية بالتطلع إلى إيديولوجيا دينية تكون عقيدة الحكم. وفي نطاق هذا الصراع، شعر الفرس وهم الأغلبية السكانية في إيران، أن الأسرة الصفوية بجذورها السجلوقية ( التركية) تعمل على إقصاء المكوّن القومي الفارسي، والإعلاء من قيمة وشأن المكوّن الإسلامي المذهبي، ورأوا في محاولات الشاه إسماعيل ثم الشاه عباس(عباس الأول 1571 - 1629 ويعرف باسم عباس الأكبر) لا مجرد محاولة لامتلاك إيديولوجيا دينية تساند تطلعاته لدحر العثمانيين الأتراك؛ بل سياسة ممُنهجة لإقصاء البعد الفارسي كلياً. وهذا ما أثار حفيظة القوميين الفرس. في الواقع لم يكن من مصلحة الحركة الصفوية بما أن جذورها سلجوقية- تركية، أي حركة (غرباء) و( أجانب) أن تعليّ من شأن القومية الفارسية، وعلى العكس من ذلك،وجدت- بعد انتصارها واستيلائها على إيران- أن من مصلحتها أن يغلب المكوّن الديني- المذهبي، فهذا وحده ما يؤمن لها نوعاً من الإندماج الاجتماعي بالسكان الأصليين. وهكذا، وحين جرى التخلي عن الخطاب الصوفي- الإسلامي القديم، تلاشت الحركة وجرى رسمياً اعتناق المذهب الأثني عشري، وليصبح هو المكوّن الغالب على الدولة. في هذه الحقبة هُزم القوميون الفرس وتلاشت أحلامهم. لقد لعب اعتناق الصفويين للمذهب الشيعي – الأثني عشري، دوراً مركزياً في تحفيز شعور الأمة الإيرانية لمواصلة الصراع ضد العثمانيين في تركيا، وكان من شان ذلك، أن الصراع اتخذ طابع صراع مذهبي سني- شيعي استمر نحو 4 قرون متواصلة فوق أرض العراق ( حتى 1900م). ومع ذلك، فقد كان البُعد الحقيقي للصراع واضحاً وصريحاً ، فهو صراع أمتين قويتين، إيرانية وتركية حول المصالح الاستراتيجية الكبرى في المنطقة، ولم يكن الطابع المذهبي سوى أداة في هذا الصراع.

المرحلة الثانية : القاجاريون وتوازن القومية والمذهب . إذا كان العصر الصفوي عصر تغليب المذهب الشيعي على القومية الفارسية؛ فإن عصر الأسرة القاجارية التي استولت على السلطة، كان على العكس من ذلك، عصر التوازن بين المكوّنين. كان القاجاريون من القبائل التركمانية القوية التي تمكنت من الاستيلاء على أجزاء واسعة من إيران.في عام 1719 م زحف هؤلاء بدعم من الأفغان السنّة بقيادة الغلزاي (گلزاي) على مملكة الصفويين. وفي عام 1722 م استولوا على أصفهان وقاموا بخلع الشاه حسين ثم أعدموه سنة 1726 م. في هذه الحقبة عاشت إيران حكماً مزدوجاً يتقاسمه الزند والأفشريين، أي السنّة من اصول أفغانية مع الصفويين السلاجقة القاجاريين الأتراك، حتى أن الغلزاي أنشأ 1736م حكومة ظل صفوية شكلية على راسها شاه من الأسرة الصفوية مجرّداً من السلطة.

وفي هذا الوقت انتقلت السلطة كلياً إلى القاجاريين. كان القاجاريون يلاحظون أن مشكلة الهويّة الإيرانية، تتمثل في التوتر القائم بين المكوّنين القومي والمذهبي، ولذا عملوا على إحداث نوع من التوازن يمكنّ الدولة من الإمساك بجناحي المجتمع الإيراني: القوميون والمتدّينين، ولذا تجنبوا فرض أي طابع قومي او مذهب على شكل الدولة ودورها.

وكما يلاحظ، فقد عاشت إيران طوال هذه القرون في قلب صراع بين المكوّنين الفارسي والمذهبي، ولم تكن هناك أي ظلال لأطماع فارسية في الصراع ضد تركيا العثمانية أو أيّ مطامع ( مذهبية)؟

المرحلة الثالثة : سقوط القاجاريين وصعود الأسرة البهلوية . لكن القاجاريين، وبالرغم من صلاتهم الطيبة مع الإنجليز( شركة الهند البريطانية ) لم يصمدوا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، واهتز عرشهم عام سنة 1925 حين قام رئيس الوزراء رضا خان بهلوي بخلع الشاه القاجاري أحمد ميرزا واتخذ لنفسه لقب الشاه. كان رضا خان قومياً فارسياً يكنّ كراهية شديدة لرجال الدين، ولذا سعى إلى تغليب المكوّن القومي على المكوّن المذهبي. وكان من الواضح أن العداء لرجال الدين الشيعة في عهد الشاه الأب ، ثم الإبن، هو تجسيد بليغ لهذا التوتر التاريخي بين المكوّنين.وحتى عام 1979 ومع سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي، لم تشكل إيران أي ( خطر شيعي ) على العالم العربي ( السنيّ ). كانت الفارسية والشيعيّة تتصارعان في قلب إيران وتصبحان مع الوقت موضوعاً داخلياً، لكنهما لم يصبحا قط، ولا في أي وقت ( سياسة رسمية ) إزاء العالم العربي.

أثناء الصراعات والأزمات الكبرى، سوف يبدو أمراً مستحيلاً فهم سلوك أي بلد أو قوة إقليمية- دولية ، واستخلاص النتائج الصحيحة من سياساتها إزاء هذه المسألة أو تلك، إلا إذا كان هناك فهم عميق يرتكز إلى معرفة علمية حقيقية بطبيعة تكوّينها التاريخي (وهويتّها) وبنوع وطبيعة المصالح التي تثير اهتمامها، وما هي العوامل الدافعة في هذا السلوك. إن فهم ( الآخر) فهماً صحيحاً هو الذي يساعد على اتخاذ الموقف الصحيح. والحال هذه؛ فإن فهم إيران أصبح اليوم حاجة ملّحة قبل أن تضيع الفرصة وينزلق العرب في وهم الصراع ضد خطر لا وجود له بديلاً عن مواجهة الخطر الحقيقي؟

لقد خلق الأعداء الحقيقيون لنا، ولأجلنا (عدوا وهمياً ) ينتابنا الهوس ونحن نحاربه، بينما هم ينعمون بالهدوء ويقهقهون لرؤيتنا وقد أصبحنا نحارب طواحين الهواء، مثل دون كيشوت في رواية سرفانتس الرائعة. وهم يأملون، بالطبع، أن يتواصل ( وهمْ العدو) هذا، والصراع المرير والدامي ضده مئة عام أخرى؟
المزيد...

3/20/2015

هل ينبغي أن نفهم إيران؟ (2) - خطاب الكراهية الجديد

الدولة الصفوية في أقصى امتداد لها
الكاتب: فاضل الربيعي

هل يشكلّ العراق جزء من هويّة إيران التاريخية؟ بكل تأكيد نعم. كانت فارس القديمة تفتش في دروب التاريخ عن دين عظيم يتناسب مع حضارتها العريقة وقوتها الإمبراطورية، لكنها فشلت في إنتاج رسالة دينية كبرى. تلك كانت ( عقدتها التاريخية ) فهي حضارة عظيمة، لكنها لم تكن قادرة على إنتاج دين عظيم، وهي (عقدة) تشبه وتتماثل مع عقدة الولايات المتحدة الأمريكية اليوم. إن عقدة أمريكا تتجلى في كونها تمتلك القوة الحضارية ولكن دون رسالة روحية كبرى؟انها وبرغم جبروتها الحضاري- العسكري- السياسي عاجزة عن امتلاك رسالة روحية- ثقافية عظيمة للعالم؟ هكذا كان وضع فارس القديمة. لقد أعطى العراق لجارته القديمة أكثر ما كانت تطمح إليه خلال عصرين متباعدين . في المرة الأولى ( خلال عصري الدولة البابلية القديمة والحديثة) حين أصبحت فارس شريكاً دينياً في العبادات العراقية، وكانت عشتار إلهة الخصب معبوداً مشتركاً للشعبين. ولتقريب هذه الفكرة من أذهان القرّاء غير المتخصصّين، سوف أعطي المثال التالي : لقد تواصلت – واستمرت في مختلف العصور- لا عبادة الإلهة المشتركة في صورها ورمزياتها المتعددّة وحسب؛ بل وكذلك الطقوس والشعائر التقليدية. وكما ناح العراقيون القدماء على مصرع الإله تموز شقيق ( وحبيب) عشتار، فقد ناح الإيرانيون القدماء وسيرّوا مواكب الدموع والبكاء. وفي عصر الدولة البابلية القديمة، أصبحت عشتار معبوداً لشعوب المنطقة كلها تقريباً.إن البكاء على الحسين في إيران، بما يصاحبه من تقاليد مطابقة ومشابهة للتقاليد الشيعية اليوم في العراق، ليس نتاج ثقافة دينية طارئة جاء بها البويهيون ثم الصفويون بعد 1500 م كما يظن الكثيرون؛ بل هو نتاج استمرار الثقافة البكائية التي ورثتها فارس من جيرانها، حين كان سكان وادي الرافدين يعبدون الإله تموز وينوحون على مصرعه. لقد اصبحت فارس شريكاً دينياً منذ ما يزيد عن ألفي عام قبل الميلاد، واستمرت قروناً طويلة بعد ذلك. وقد لاحظ المؤرخ اليوناني هيرودوت 500ق.م أن المواكب الحزينة التي كانت تجوب شوارع بابل في هذا الوقت- وكل عام- احياء لذكرى مصرع تموز، كانت تشهد طقوس اللطم والنواح لايام عدّة.وكان الإيرانيون القدماء، وبرغم توتر العلاقات بين بابل وفارس مرات كثيرة عبر التاريخ الطويل، يواصلون أداء هذه الطقوس مع البابليين ويقومون مثلهم بأداء مراسم الحج الجماعي لمعابد عشتار (المعادل الرمزي اليوم لشخصية زينب).

ويذكر عالم السومريات هنري ساكز (عظمة بابل/ت.د. عامر سليمان إبراهيم/جامعة الموصل /1979) أن الحجّاج القادمين من فارس،كانوا يساهمون في ترميم معبد عشتار ويجلبون معهم الهدايا الذهبية في مواكب جماعية، وهو ما يذكرنا بتقاليد مماثلة تواصلت في العراق المعاصر؛ إذ بالرغم من تدهور علاقات العراق بإيران خلال حكم حزب البعث، إلا أن مواكب الحجاج الإيرانيين لم تنقطع، وحتى 1968-1970، ومع أول تدهور كبير في العلاقات بين طهران وبغداد،ظلت احتفالات العراقيين والإيرانيين المشتركة حاضرة بقوة، وكانت مشاهد وصول الشبابيك الذهبية للمراقد الشيعيّة المقدّسة وهي تخترق شوارع بغداد، مألوفة ومبهجة للجميع ( ما يعرف في الثقافة الشعبية بشباك العباس). لقد استمرت عبادة تموز وعشتار واختلطت- مع الإسلام- بعقيدة مقاتل الطالبيين ( أسرة علي بن أبي طالب). إن هذا المكوّن الديني التاريخي المستمر والمتواصل من بابل القديمة حتى فجر الإسلام، هو مكوّن عضوي في الهوية التاريخية لإيران.أما في المرة الثانية فكانت مع الإسلام. لقد امتلكت فارس، بفضل العراق مرة أخرى وفي عصر آخر، رسالتها الدينية التي كانت تحلم بها،وذلك حين دخل الإسلام أراضي فارس الفسيحة، ونشر المسلمون الأوائل هناك دين محمّد، ثم علمّوا الإيرانيين قراءة القرآن باللغة العربية. لقد تخلى الإيرانيون عن أديانهم الأيقونية القديمة ( الخرميّة والمزدكية ) وهي ديانات إصلاحية تركت تأثيرها الهائل في الثقافة الإيرانية، ليتقبّلوا بدلاً منها ديناً عربياً كبيراً هبّت رياحه من العراق.كانوا في الحقيقة بانتظار هذه اللحظة الكبرى في التاريخ. ولمّا كانت فارس امة عظيمة، وكانت بلا دين عظيم، فقد عادت تفتش من جديد عن رسالتها الدينية، وتجلت المفارقة أمامها ساطعة: أنها امة عظيمة بلا دين عظيم. وها هنا شعوب وقبائل عربية بدوية ممزقة لا حضارة ولا قوة لديها، ولكنها تمتلك رسالة دينية كبرى، فما العمل؟ هكذا لعبت الأقدار في مسرح الأمم: تقبّلت فارس القديمة دين قبائل العرب الممزقة لأنها كانت تبحث عن رسالة تتناسب مع حضارتها ودورها وأحلامها، وهي وجدت مبتغاها في ما تملكه أمة القبائل الممزقة. وهذا هو المغزى الحقيقي من القصة الأسطورية في التراث الإسلامي عن سلمان الفارسي الذي هاجر إلى ارض العرب بحثاً عن دين. لقد خرجت فارس بنفسها تفتش في صحراء العرب عن دين يجعل منها حضارة عظيمة وأمة قوية وبحيث تخرج من هضبتها الجرداء إلى عالم أوسع.

وهكذا عادت إيران لتصبح بعد الفتح الإسلامي، جزء من إمبراطورية عربية- إسلامية. أي أن الإسلام القادم من العراق، كان نقطة التحول التاريخي الكبرى التي ضمنت لفارس، أن تواصل دورها في التاريخ بقوة. بهذا المعنى؛ فإن شعور الإيراني المعاصر- مثله مثل الإسباني المعاصر- بأن هويتّه تتشكلّ من عناصر ثقافية تنتسب لشعب آخر، هو شعور حقيقي لا ينطوي على أي إحساس بالخجل أو النفور؟ إن شعور الإيراني المعاصر بقوة الإنتماء إلى ثقافة المحيط الجغرافي من بحر قزوين حتى شط العرب، هو الذي أنشأ المعتقد السياسي القائل، بأن الهويّة الإيرانية القديمة والحديثة هي نتاج تلاقح ثقافات هذا الحوض الروحي- الثقافي. إن الذين يصفون الإيرانيين اليوم بأنهم (مجوس) أي وثنيين يعبدون النار، لا يعرفون أي شئ عن هذه الديانة. إن تعبير ( مجوس) توصيف إحتقاري أطلقه الوثنيون الفرس، وقصد به توصيف الموّحدين المبشرّين بإله واحد بأنهم ( عبدة نجاسة ).ظهرت الزرادشتية نحو 1500 ق.م شرقي فارس ( ما يعرف بالإمبراطورية الأخمينية) وكانت تعاليمها الروحية تعدّ من اقدم وأكبر التعاليم الفلسفية الدينية التي ترتكز على فكرة أن العالم ينقسم إلى عالمين: عالم الخير وعالم الشر. لكنها تؤمن بقوة بالإله الواحد الذي لا شريك له؟ ليس دون معنى أن الأناجيل ذكرت المجوس بوصفهم جماعة موّحدة، جاءت لتعلن البشارة بولادة عيسى بن مريم ( يسوع الرّب)؟ لقد بشرّ الموّحدون الزرداشتيون بولادة ابن الرّب، فكيف نفترض أنهم كانوا وثنيين؟ إن كل من يصف الإيرانيين اليوم بأنهم مجوس، لا يفعل أكثر من تكرار لتوصيف استخدمه الوثنيون الفرس ضد اتباع الديانة التوحيدية الزرادشتيّة ( أي المجوسيّة)؟ لكن هذه الديانة القديمة ظلت محصورة داخل الهضبة الإيرانية كدين قومي لم يكن جذّاباً بالنسبة للقبائل الوثنية، كما أنها واجهت مقاومة شرسة تجلت في غلبة التوصيف الاحتقاري لها حتى اليوم. ولأنها لم تنتشر خارج فارس، أو تنتصر في محيطها وبيئتها التاريخية وتتحوّل إلى دين عالمي، فقد ظل حلم امتلاك دين عظيم فعالاً ومتواصلاً. وهكذا، وكما يُلاحظ؛ فإن استخدام تعبير ( الفرس المجوس) لا معنى ولا أساس له. إن الأساس الوحيد له ، هو أن يصبح مستخدمه اليوم في منزلة الوثني القديم الذي قاوم ديناً توحيدياً قديماً ؟ إن الذين يرددّون كالببغاوات الجملة التافهة التالية ( الفرس المجوس الصفويين) لا يفقهون أي شئ ممّا يقولون، لأن الفرس شئ، والمجوس شئ آخر، والصفويون شيئ لا علاقة له بين الأثنين؟ وأذكر أنني عندما ذهبت إلى بغداد للقاء القيادة العراقية ضمن وفد من المعارضين الوطنيين في أواخر عام 2002، قلت للأستاذ طارق عزيز ( فكّ الله أسره) في مكتبه، معاتباً وناقداً : بالله عليك يا استاذ طارق.من أين جئتم لنا بهذا المصطلح العجيب؟ كيف جمعتم الفرس مع المجوس مع الصفويين؟ إنه اصطلاح خاطئ جملة وتفصيلاً، تاريخياً ومنهجياً وسياسياً.

الصفوية ليست ديناً ولا مذهباً دينياً ولا يمكن اعتبارها مصطلحاً دالاّ على الشيعة المعاصرين. ظهرت الصفوية في الأصل كحركة صوفية- سياسية استخدمت تراث الإسلام، لتأسيس نظرية دينية- سياسية للحكم في مواجهة العثمانيين. وكان الشيخ صفي الدين الأردبيلي (1252-1334م) خال الشاه إسماعيل، رجلاً صوفياً أسسّ طريقته الصوفية في أردبيل (أذربيجان) سنة 1300م. في هذا الوقت أصبحت أردبيل عاصمة دينية ثم سياسية لأتباعه. تنتمي هذه الجماعة عرقياً إلى شعب تركماني عاش في إيران ( السلاجقة ) وكان الصراع ضد العثمانيين محتدماً في هضبة الأناضول على خلفية نزاع عرقي بين جماعتين قوميتين ( القبائل العثمانية وخصومهم سلاجقة أذربيجان). نجح الصفويون في الاستيلاء على بعض المناطق داخل إيران نحو (1447-1450م) ثم توسعوا في سنوات (1460-1488م) بعد نجاحهم في إنشاء تنظيم سياسي وعسكري ( ما يعرف بحركة القزلباش أو الرؤوس الحمراء نسبة إلى العمامة الحمراء التي يرتديها أتباع الطريقة الصفوية). وفي وقت تالٍ جرى ربط شعبي بين طريقة لف العمامة الصوفية- الصفوية باثني عشر لفة مع فكرة وجود اثني عشر إماماً شيعياً؟ في عام1501 -1524 م)أصبح إسماعيل الصفوي زعيماً للتنظيم واستولى على مناطق غيلان غرب (گيلان) ثم واصل توسعه في الأراضي الإيرانية سنوات 1499-1501 حتى تمكن من الإستيلاء على كامل بلاد فارس (إيران) وقام بطرد القبائل العثمانية. في هذا الوقت 1507م أقرّ السماعيل ( الذي أصبح شاه إيران) المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبا رسميا للدولة. وكما يتضحّ؛ فلا صلة بين الفرس والصفوية؟ لقد كانت الصفوية طريقة صوفية- إسلامية نشأت في أذربيجان وانتصرت في إيران بالقوة العسكرية في سياق صراع عثماني- سلجوقي وانتهت أو تلاشت مع تلاشي مبررات بقائها؟ أما المذهب الأثني عشري، فهو مذهب فرقة من فرق الشيعة الإمامية جرى اعتناق تأويلاتها ومعتقداتها في العراق وإيران، ولا صلة لهذا المذهب بالطريقة الصوفية ( الصفوية) القديمة.

وهاكم بعض الملاحظات الإضافية :

1 : إن الفرس يشكلون اليوم نحو 43% من السكان ( و حسب آخر إحصائية في عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي 1979م نحو 63% ) بينما يشكل الأتراك (الأذر والتركمان) ما نسبته 20%. أما العرب فيشكلون نحو 8% والأكراد 6%. وأكثرية الفرس هم على المذهب الشافعي وليسوا ( صفويين) ولا ( أثني عشريين) كما يتوهم الكثيرون، وهم يقطنون في محافظة فارس جنوب إيران وفي العاصمة طهران. كما أن الغالبية من سكان کردستان (من مدينة قصر شيرين شمال الأحواز إلى حدود أرمينية على طول حدود تركيا) فضلاً عن بلوشستان وبندر عباس والجزر الخليجية وبو شهر، وبحر قزوين حتى حدود تركمانستان وشرقي خراسان هم من أهل السنة. ولذلك يبدو مصطلح ( الفرس المجوس الصفويين) مثيراً للسخرية ، لأنه يجمع بين القومية الفارسية والديانة التوحيدية القديمة والطريقة الصوفية الإسلامية؟ أغلبية الفرس الذين يتعرضون لشتائم بعض العرب والعراقيين السنة، هم سنة شافعية وليسوا شيعة ولا مجوساً باستثناء نسبة صغيرة اعتنقت المذهب الشيعي الأثني عشري.

وهكذا، فالسنيّ العراقي- العربي الذي يشتم الفرس ويصفهم بأنهم ( مجوس) يخطئ مرتين في وصفه، في المرة الأولى، حين يفتقد القدرة على التمييز بين الزردشتية كدين وبين المجوسيّة كمصطلح تحقيري أطلقه الوثنيون الفرس على أتباع هذه الديانة القديمة. المجوسية هي الزرادشتية وهي ليست ديناً وثنياً. وفي المرة الثانية، يخطئ حين يصف الفرس بأنهم ( صفويين) لأن الصفويين هم أتباع طريقة دينية انتهت باعتناق إيران المذهب الشيعي الأثني عشري؟ إن الذين يصفون خامنئي المرشد الأعلى خامنئي ب( الفارسي) يجهلون أنه من اصول أذرية- تركمانية وليست فارسية؟ والأذريون الذين يشكلون ما نسبته 20% من السكان، هم في غالبيتهم من الشيعة التركمان. ومن يعتقدون أن الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد فارسي صفوي، يستخدمون توصيفاً لا أصل له فهو أذري- تركماني.كما أن الذين يهزأون من ( فارسية ) قائد البحرية شمخاني، يجهلون أنه عربي من أصول عراقية؟ من المحزن حقاً، أن هذه المعرفة الزائفة هي السائدة.

والآن : ما الذي عناه يونسي ان بغداد عاصمة إيران؟ هذا التصريح لو قرئ دون انفعالات سخيفة وعصابيّة وهستيريّة، ليس تصريحاً موجهاً للعراقيين والعرب . ان توقيت التصريح مع وصول وزير الدفاع الأمريكي ديمبسي إلى العراق للضغط على القيادة العراقية لفكّ التحالف مع إيران، موجه للأمريكيين وللغرب ومفاده ببساطة : حذار من الاقتراب من بغداد. انها عاصمتنا. إن وضع هذا النوع من التصريحات في إطارها السياسي، دون تضخيم أو ربط بما هو معرفة زائفة بالتاريخ، هو الذي سوف يمكنّا من تحليل المعطيات بطريقة موضوعية .

العرب- وكثرة من العراقيين- يجهلون إيران، وهم يحاربون ( عدوا) لا يعرفون عنه أي شئ حقيقي. تلك هي مصيبة العرب.

المزيد...

3/14/2015

هل ينبغي أن نفهم إيران؟ (1) - خطاب الكراهية الجديد

إيران

الكاتب: فاضل الربيعي

ينتشرُ - في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي هذه الأيام وبكثافة- نوع من العداء اللفظيّ الهستيري لإيران. هذا العداء الصريح والمكشوف ينتمي في نسيجه السردي إلى أدبيات النظام العراقي السابق خلال الحرب العراقية- الإيرانية، حيث شاعت آنذاك، اصطلاحات وتعبيرات غريبة ومثيرة في وصف الشعب الإيراني ( وليس الدولة الإيرانية وحسب). اليوم، نشهد ما يشبه إعادة إنتاج لتراث الأدبيات السياسية التي تركها النظام السابق في العراق، ولكن مع فارق جوهري، أن العداء اللفظيّ الجديد يتخذ طابعاً خاصاً، يمكن وصفه بأنه (النقد بأدوات الكراهية لشعب آخر). وفي الواقع،لا يبدو هذا النقد السياسي مصممّاً لنقد السياسات الرسمية، بأكثر ما يبدو نوعاً من تشهير بالتاريخ والقيم والثقافة. ما من مقالة تخلو من الكلمات العنصرية الرخيصة التالية : فرس، مجوس، صفويون، شيعة، يهود، أبناء زواج المتعة ؟ إن ظاهرة ( كراهية إيران) تكاد تصبح، نظراً لكثافة حملات النقد العدائي، نوعاً من كراهية علنية لشعب آخر. من المؤكد أن ( نقد إيران) انتقل خلال السنوات القليلة المنصرمة، وكلياً من حيزّ النقاش السياسي حول سياسات الدولة الإيرانية،إلى حيّز(كراهية شعب آخر) وبحيث اختلطت المواقف بالمشاعر. لكن تحليل النصوص المنشورة، وبشكل أخصّ في وسائل الإعلام العربية والمواقع الألكترونية، سوف يكشف مع ذلك، عن شكل جديد من التحوّل في هذا النقد ، فهو لم يعد خاضعاً لأي معيار اخلاقي أو علمي، كما بات مفرّغاً من أيّ محتوى سياسي حقيقي. إنه نقد يخلو من أي دلائل أو براهين أو حجج مقنعة. إن النقد السياسي– أي نقد وفي أي ظرف ومع أي خصم- إذا ما اختلط بالمشاعر والإنفعالات، يصبح مع الوقت أكثر شبهاً ب( هستيريا) تفتقد لأي ترابط أو انسجام. ولعل اكثر الدلائل سطوعاً على حدوث مثل هذا التحوّل، أن (نقد إيران) سرعان ما اتسع ليصبح لا نوعاً من العداء لشعب إيران؛ بل وللتاريخ والثقافة والقيم الاجتماعية. انظروا مثلاً إلى الكيفيّة التي أصبح فيها نقد السياسة الإيرانية، مناسبة للتشهير بالقيم الاجتماعية والروحية والثقافية.

إن كل من هبّ ودّب، يمكنه أن ينشر في أي صحيفة أو عبر أي قناة فضائية أو موقع ألكتروني ترهات من قبيل، أن الإيرانيين جميعاً هم نتاج (زواج المتعة) وأن ( الفرس) جماعة شريرة خدمت ( اليهود) منذ آلاف السنين، وأنهم يعملون معهم سراً ويداً بيد من أجل تمزيق العرب؟ مثل هذه الترهات باتت مألوفة وشائعة، وثمة في الإطار الإقليمي منْ يساهم في تغذيتها وتطويرها ونشرها. من النادر- اليوم- أن لا تجد ذلك المزيج الغريب من التعليق السياسي ومشاعر الكراهية للتاريخ والثقافة الإيرانية، وهو ينتشر في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بوصفه معرفة زائفة لا أكثر. إن ( شيطنة إيران) وتصوير مجتمعها التاريخي بأنه مجتمع ( فسق وفجور) وأنهم أشرار ( لأنهم فرس) وهم أشدّ خطراً من اليهود لانهم ( صفويون) وهم فوق ذلك خطر داهم ( لأنهم شيعة) يندرج في سياق حملة كراهية يقودها الغرب وقوى إقليمية بأدوات عربية. وممّا يدعو للتساؤل حقاً، أن مَنْ ينشرون هذه الكراهية – يشكون غالباً من وجود كراهية للعرب عند الأوربيين والأمريكيين؟ وهذه مفارقة غريبة في خطاب الكراهية الجديد. والآن، ومهما تكن دوافع ومبررات هذا التناقض في سلوك المحللّين والمعلقين، فمن غير المنطقي قبول فكرة أن الموقف السياسي من بلد ما، يسمح للفرد تلقائياً بأن يجعل من مادته النقدية مادة لنشر الكراهية لشعب آخر؟ إن نقد السياسة الإيرانية حق مشروع لأي شخص، وهو أمر مفهوم ويمكن إيجاد المبررات للنقاش حوله، ولكن من السخف وانعدام الانصاف والعدل، تقبّل الترّهات حول تاريخ إيران ومجتمعها وقيمه التاريخية وحضارته القديمة، باعتبارها معرفة حقيقية عن تاريخ وثقافة شعب. لقد تحوّلت إيران في هذا النقد إلى شعب شرير يدعى شعب الفرس المجوس، الصفويين، اليهود، الشيعة الخ الخ الخ. ومؤخراً، ثارت ثائرة كثير من العراقيين والعرب، بعد تصريح السيّد يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، وجرى تدبيج موشّحات تقطرّ عنصرية وجهلاً. إن السؤال المطروح في خضمّ هذه الهستيريا هو التالي: هل ينبغي أن ( نفهم إيران) في سياق نقدها؟ أم أن علينا الإنسياق وراء هذه الهستيريا؟ لكن وقبل أن ننخرط بشكل أعمى في حرب الآخرين ألا يتعيّن علينا أن نعرف أي شئ حقيقي عن تاريخ إيران؟ إن المقاربة التي أطمح إلى تقديمها في هذه السلسلة الجديدة من المقالات، تفترض أن على الجميع التحليّ بالهدوء والصبر وبروح النقاش الموضوعي والرغبة الجادة في تقديم مقاربات أخرى،لا مواصلة اطلاق الشتائم المجانية والرخيصة. إن العداء اللفظيّ وروح العداء المقيتة لشعب آخر،لا تنفع في شئ في أوقات المحن.ومن يعرفون معنى (المسؤولية التاريخية) وحدهم من يدرك أهمية خوض نقاش موضوعي في اصعب الظروف. ما قاله يونسي هو مناسبة ممتازة لإثارة نقاش حول إمكانية ( تفهّم إيران). فهل يمكن الإفتراض أن من سوف ينخرطون في السجال مع – مقولة هذه السلسلة من المقالات- سيتصّرفون بتعقل ويُعْملون الفكر قليلاً؟ أكاد أجزم أن كل الذين يهاجمون الفرس والمجوس والصفويين وإيران يجهلون بشكل مريع، تاريخها وتكوينها الجغرافي والسكاني، وهم في الغالب لا يعرفون أي شئ حقيقي وله قيمة. 

ولو سألتهم عن التركيبة الحاكمة وكيفية صنع القرار، فسوف يخطئون في التمييز بين لاريجاني وجنتيّ. ولو أنك سألتهم عن معنى ( الصفوي) ومن أين جاءت، وما الفارق بينها وبين ( المجوسي) فسوف تكتشف الجهل الفاضح في (تفهّم إيران) في العالم العربي. وأريد هنا أن استثني – من هذا التوصيف- كل المتخصصييّن في مراكز البحث في مصر، لأنهم يتمتعون بمعرفة رصينة مشهود لها.لقد انشأت مصر عبد الناصر في وقت مبكر، مراكز بحث استراتيجية غاية في الإنضباط العلمي بمعايير العمل المهني.أليس أمراً محزناً أن العرب يحاربون ( اعداء) لا يعرفون أي شئ حقيقي عنهم؟ هاكم المفارقة التالية: خلال 8 سنوات من الحرب المأسوية بين العراق وإيران، لم يتمكن النظام السابق من إنشاء أي مركز تخصصيّ، جامعي أو مركز أبحاث مستقل، لدراسة إيران؟ وبالفعل، لا يوجد حتى اليوم كاتب أو أكاديمي أو باحث عراقي واحد متخصصّ بإيران؟ كل ما لدى العراق بضعة محللين ومعلقين لا قيمة ولا أهمية علمية لأي شئ يتفوهون به؟والفاجعة الكبرى، أن الجهل المطبق بالتركيبة الأثنية التاريخية لإيران، والمعرفة السطحية بطبيعة مجتمعها، انتهى إلى تكوين معرفة ( شعبية) مضللّة، ما تزال شائعة في الأدب السياسي العراقي.ومؤخراً، اثار نائب عراقي سخط العراقيين جميعاً، حين زعم أن الشيعة في جنوب العراق هم جماعة من الهنود؟ لقد تحوّلت ثقافة ( كراهية إيران) إلى كراهية لشيعة العراق والمنطقة، أي أنها تخطت حدود ( نقد إيران) أو كراهية شعب إيران، وباتت نوعاً من الوباء اللفظيّ الذي يجتاح المنطقة كلها؟ 

إن الضجّة التي أثيرت مؤخراً حول تصريحات مستشار الرئيس الإيراني، هي دليل آخر على أن ( المعرفة الشعبية المضللّة) التي أشاعها النظام السابق، ما تزال فعالة ومستمرة ويواصلها اليوم أنصاره من العراقيين والعرب دون أي تغيير. فهل يمكن لنا أن نعيد وضع النقاش حول إيران في إطار جديد، وأن نسمح بحوار عقلاتي وهادئ بدلاً من هذه الهستيريا اللفظيّة؟

ما قاله مستشار الرئيس الإيراني مؤلف من فكرتين رئيسيتين فقط :
1: إن العراق يشكل جزء من هويّة إيران التاريخية
2: إن بغداد هي عاصمة إيران الجديدة.

هاتان هما الفكرتان الجوهريّان في التصريح. فعلام كل هذا الضجيج؟ من المؤلم حقاً القول، أن ردّ الفعل السطحي المريع من جانب غالبية المحللين السياسيين، ناجم عن انعدام أي معرفة علمية بالإطار التاريخي لتشكلّ الهويّة الإيرانية. لم يخطئ يونسي قط، حين تحلىّ بالشجاعة الأدبية وأقرّ علناً، بأن العراق التاريخي ساهم في تشكلّ وعي الإيراني المعاصر لنفسه؟ هل يجرؤ أي سياسي عراقي على القول أن إيران أو تركيا ساهمتا في تشكيل الهويّة العراقية؟ لا يوجد بلد في العالم شكلّ هويته بمعزل عن تأثير جيرانه حتى ولو كانوا غزاة؟

إن العراقي- العربي الذي يتغنىّ ليل نهار بفتح الأندلس، ولا يترددّ عن التباهي أمام الإسبان،بأن العرب شكلّوا لا هويّة اسبانيا وحسب؛ بل أعادوا صياغة دورها في مسرح التاريخ، هو نفسه العراقي- العربي الذي لا يريد ان ( يفهم إيران) حين يصرح أحد مسؤوليها، أن العراق ساهم في تشكيل الهويّة الإيرانية، ويعدّ ذلك نوعاً من الشتيمة؟ هذه الحسّاسيّة المرضية المفرطة من كل شئ إيراني، تؤسس اليوم لخطاب كراهية جديد.لقد تسنى لي خلال زيارات متباعدة لاسبانيا،أن التقي قادة وناشطين وكتّاباً وصحفيين يساريين ويمينيين وليبراليين، وأن أتعرّف عن قرب إلى النقاش الدائر هناك منذ سنوات: هل الغزو العربي لاسبانيا هو غزو أم فتح؟ والمدهش ان الجميع، يساريين ويمينيين وليبراليين، يجمعون على أن الفتح العربي ( وهم يرفضون كلمة غزو) شكلّ لحظة تحوّل كبرى في تاريخ إسبانيا ، وأنهم بفضل العرب المسلمين، انتقلوا من ( دولة) إلى قوة إمبراطورية سيطرت على سواحل العالم. وهذا وضع شبيه بحالة إيران، فالفتح العربي هو الذي أعاد صياغة دور إيران في التاريخ. إن تشكلّ الهويّات التاريخية عملية معقدّة وشائكة، فقد تتخلى أمم وشعوب عن ( لغتها القديمة) لقاء الحصول على لغة جديدة؛ بل وأن تتخلى عن جزء ميت من تاريخها لتنتسب إلى جزء من تاريخ الآخر، وتتعامل معه بوصفه جزء عضوياً من تاريخها هي. أكثر من ذلك، ان تنسى بعض أبطالها القوميين، وتحلّ محلهم أبطال أمم أخرى؟ ألم يصبح خالد بن الوليد العربي- الذي يزعم في أدبيات المتطرفين انه مسلم سنيّ- بطلاً قومياً في إيران المسلمة- الشيعية بدلاً من هرمز الوثني؟ إن اللغة هي العنصر الأهم في تشكل هوية أي أمة من الأمم، وفارس القديمة شكلت هويتها اللغوية تحت تأثير العراقيين المباشر. مرّت اللغة الفارسية بثلاث مراحل في تطورها التاريخي: الأولى ، الفارسية القديمة التي كانت تكتب بالخط المسماري، والثانية، اللغة الفارسية الوسطى التي تعرف باسم اللغة الأفستائية وهي التي كتبت بها تعاليم زرادشت وأناشيده الخمسة في كتاب (الافستا ) ويطلق عليها (اللغة البهلوية).أما المرحلة الثالثة فهي اللغة الفارسية الحديثة التي ظهرت بعد دخول الإسلام، حين أخذ الإيرانيون حروفها وقواعد كتابتها من اللغة العربية. إن الإيراني المعاصر، مثله مثل قرينه الإيراني القديم، يكتب ويقرأ بواسطة لغة مستعارة من الجيران : مسمارية العراقيين القدماء ثم عربية الفتح الإسلامي؟ هذا يعني أن تشكلّ الهويّة الإيرانية لغوياً،جرى – وخلال حقب وعصور مختلفة- تحت تاثير الجار العراقي؟ وبفضل العراق استبدلت إيران – فارس القديمة- أبجديتها ( الهندو اوروبية) بأبجدية مسمارية ثم عربية، لتقرأ وتكتب بها حتى اليوم ( بعكس ما فعلت تركيا أتاتورك التي استبدلت الحرف التركي بحرف لاتيني)؟ فهل يمكن تصّور الإيراني المعاصر الذي يستخدم الحرف العربي في كتابته كل يوم، ويقرأ في كتاب محمد، ويصلي بالعربية صلاة العرب، هو شخص بهويّة ( إيرانية صغيرة)؟ إن الأمم العظيمة في التاريخ هي التي تهضم وتستوعب وترتوي من ثقافات الأمم الأخرى.

ومن المؤسف أن الضجة الفارغة حول تصريحات يونسي قادها اشخاص لا يعرفون اي شئ حقيقي عن تاريخ إيران القديم أو الحديث. إن كل معلوماتهم عن إيران مستمّدة من تراث الحرب المأسوية 1980-1988 بين العراق وإيران، ثم من مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، وهو بوجه الإجمال تراث صحفي يتضمن معلومات مثيرة بطبيعتها لكل وأيّ خلاف، كما أن بعض المعلقين اعتمد في نقده للسياسة الإيرانية على ( القيل والقال) بأكثر مما استند إلى معطيات ومعلومات علمية أو إلى تحليل دقيق وصحيح للأحداث.

في هذه السلسلة الجديدة من مقالات ( هل ينبغي أن نتفهم إيران) مقاربة جديدة للموضوع الإيراني بهدف تعميق الوعي ب( فهم إيران).

يتبع >>>
المزيد...

3/07/2015

اليمن يحددّ مصير جيرانه (3) - الصراع (حول الدولة ) في عصر الإنهيار العظيم

عدن
الكاتب: فاضل الربيعي

ثرثرة على شواطئ عدن
في هذه المرحلة من الصراع على (الدولة) في اليمن، تحوّل النقاش حول مسألة استمرار ( الحوار الوطني) إلى ما يشبه ثرثرة على شواطئ عدن. لقد فجرّ الرئيس هادي آخر قتبلة في صندوق عتاده الحربي، معتقداً أن الدعوة لنقل الحوار إلى الرياض ستكون بمثابة صاعقة في سماء صافية، وأن حركة أنصار الله سوف ترفض بشدّة أو أنها ستقف حائرة بين الرفض والقبول؟ الحركة رفضت . في الواقع، يمكن لحركة أنصار الله - اليوم أو بعد حين- أن ترّد على دعوة هادي بقذيفة مضادة، وتعلن موافقتها على نقل الحوار إلى الرياض، لا لشئ إلا لأن نقله إلى هناك، سوف يعيد الصراع برمتّه إلى النقطة صفر، أي النقاش حول ( مضمون المبادرة الخليجية للحل)؟ في هذه الحالة، سوف تكسب حركة أنصار الله الكثير، أولاً: أنها ردّت بشكل إيجابي. ثانياً : أن الحوار لن تقوم له قائمة إلا بمشاركتها؟ ثالثاً : أن تصبح لاعباً مهماً ومقررّاً في إعادة صياغة الحل؟ وبذلك، يصبح كل النقاش الدائر حول مكان انعقاد جلسات الحوار ضرباً من ضروب الثرثرة على شواطئ عدن.

إن النقاش حول مكان انعقاد جلسات الحوار الجديدة ما بعد أزمة صنعاء، وما إذا كان سيعقد في العاصمة السياسية صنعاء أم في العاصمة الاقتصادية عدن، أو أن القوى سختار مدينة أخرى من بين مدينتين يُزعم أنهما آمنتان، تعز أو إب، أو أن هذا الحوار سوف ينقل إلى الرياض كما طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي، يبدو تكتيكاً فارغاً من أي أهداف حقيقية. ماذا لو وافقت حركة أنصار الله في وقتٍ تالٍ وفي سياق رد تكتيكي؟ ليكن، ولننقل الحوار إلى الرياض. في هذه الحالة لا يتعيّن الإفتراض أن أنصار الله سيكونون هناك وحدهم. بكل تأكيد ستكون طهران حاضرة بقوة عبر قنواتها الدبلوماسية والأمنية مع الرياض. وهل يمكن تصوّر أن طهران والرياض سوف تغلقان قنوات الاتصال بينهما حول أزمة يجري النقاش حولها خارج صنعاء؟ هذا محال. لكل طرف حساباته ومطالبه ومصالحه. لعل الرفض الأمريكي نقل سفارة واشنطن من صنعاء إلى عدن، يمثل أقسى جواب يمكن أن يتلقاه الرئيس هادي.واشنطن، خدعت أوروبا وتركتها تتورط في خطوة ( التفريغ الدبلوماسي) كما انها خدعت دول الخليج بأسره، حين أوهمتها أنها تؤيد الخطوة و صمتت عن قرار نقل سفاراتها إلى عدن. الأمريكيون لا يريدون تفريغ صنعاء دبلوماسياً. هذا يعني- في الحسابات الاستراتيجية- تسليم الشمال اليمني ( للعدو)؟ بينما المعركة في الجنوب لا تعطي ما يكفي من البراهين عن المنتصر المحتمل؟

أخطأ الرئيس هادي مرتين، في المرّة الأولى عندما تخلى عن دوره كرئيس لكل اليمنيين، وهرب صوب ( جنوبيته ) أي حين توهم أنه رئيس للجنوبييّن؟ وفي الثانية ، حين توهم أن نقل الحوار إلى الرياض سيكون لكمة موفقة في وجه أنصار الله، في ما هي خطوة متهورة ستضع دول الخليج في قلب دوامّة من النقاش العقيم : ماذا نفعل بالمبادرة الخليجية؟ هل نعيد صياغتها؟ هل نشطبها؟ هل نقبل بها كما هي؟ في الحالات الثلاث لا يبدو أن دول الخليج ستكسب أي شئ من خطوة متسرعة من هذا النوع.

لماذا؟ ثمة أسباب حقيقية يمكن التفصيل بها مطولاً :
أولاً : إذا ما فرضت جولات الحوار المفترضة في الرياض إعادة صياغة المبادرة، ففي هذه الحالة سوف يُشطب دور الرئيس هادي الذي جاءت به المبادرة الخليجية رئيساً، سوف يجري البحث عن رئيس بديل.

لن يعود ممكناً- في حال إعادة الصياغة- القبول برئيس لم يتمكن من لعب دوره التوافقي.

ثانياً : إذا ما قرّر المتحاورون التخلص من المبادرة الخليجية، والتوصل إلى إطار تفاوضي جديد، ففي هذه الحالة،سيكون الرئيس هادي والحرك الجنوبي ودول الخليج وأوربا، قد جلبوا الدب إلى الكرم. لن يكون بوسع الجميع إلا القبول بحركة أنصار الله وحلفائها كطرف رئيس في أي حل تفاوضي؟

ماذا فعلنا إذاَ؟ وماذا كسب ابو زيد اليمني حين استعرض فروسيته ؟ وما الذي سوف يكسبه هادي من نقل الحوار إلى الرياض؟ ها قد جلب بنفسه من يعتبره خصمه أو عدوه، ولكن ليعطيه مقعداً في الصدارة داخل ميدان الصراع؟

ثالثاً : أّمّا اذا قرّر المتحاورون القبول بالمبادرة الخليجية كما هي، فهذا يعني أن الجميع – في هذه الحالة- سوف يوافقون على خداع أنفسهم بأنفسهم، وذلك بمواصلة الاعتقاد أن المبادرة التي عصفت بها الأزمة وتلاشت أو تحطمت، ما تزال حيّة رغم انها جثة هامدة .
ما يقوله الواقع بسيط للغاية : لقد ماتت المبادرة الخليجية ولن يعود مجدياً البحث عن مكان لنفخ الروح فيها. إن الذين يصرّون على تخيّل الأحلام وكأنها هي الواقع يقومون بدور ( بائع الأوهام) لا أكثر. يجب أن يتركز النقاش لا حول مكان الحوار، ولا حول- المبادرة الخليجية- فهذه اصبحت من الماضي؛ بل حول إطار تفاوضي جديد بين كل اليمنيين للحفاظ على الدولة. نعم كل اليمنيين دون اي اقصاء. الدولة أولاً. لا شئ قبل ذلك.

كل النقاش الدائر حول مكان انعقاد الحوار، ليس أكثر من ثرثرة سرعان ما سوف تهدأ، ليبدأ فصل آخر من الصراع حول ( الدولة ) لا حول ( الحوار عن الدولة).
المزيد...

3/03/2015

اليمن يحددّ مصير جيرانه (2) - الصراع (حول الدولة ) في عصر الإنهيار العظيم

علي سالم البيض
الكاتب: فاضل الربيعي

معركة فصل عدن وتمزيق الجنوب
في ربيع عام 2012 وصلت صنعاء بدعوة كريمة من وزير الدفاع اليمني الأسبق الفريق الركن عبد الملك السياني، وهو رجل اشهد انه على إطلاع جيد بتاريخ اليمن وآثارها، وفي منزله وسط صنعاء يحتفظ بمجموعة نادرة ومذهلة من اللقي والمقتنيات الأثرية التي لا تقدّر بثمن. كان في صحبتي المهندس الأردني الصديق عمر شوتر، وكانت هذه آخر زيارة أقوم بها بهدف أن اتمكن من استكمال أبحاثي عن العلاقة بين تاريخ اليمن القديم والتوراة. وهذا ما وفره لي صديقي السيّاني بكل كرم. كان عمر شوتر، المثقف والإنسان الراقي مهتمّا ومُتحمساً إلى أبعد الحدود للبرهنة على صحة مقولاتي النظرية، ولذا حرص ان نكون سوية خلال ثلاث رحلات متتابعة قادتنا من صنعاء فغرب ذمار حتى تخوم الحديدة. وفي نهار طيب خلال الرحلة وأثناء استراحة الغداء في منزل السيّاني، فاجأني الوزير الأسبق بعرض وثيقة صادرة عن جهات رسمية عسكرية- أمنية في بلد عربي، كان يحتفظ بها في مكتبه منذ ان كان وزيراً للدفاع. قال لي بنبرة الأمر العسكري : تفضل؟ انت تكتب عن تاريخ اليمن القديم. يجب أن تكتب عن تاريخ اليمن الحديث أيضاَ؟ ها هي خطة لاقتطاع حضرموت.. اقرأ؟ كانت أمامي وثيقة خطيرة معززة بالخرائط العسكرية تتضمن أوامر أمنية حول كيفية اقتطاع حضرموت وضمّها. قلت لصديقي السيّاني : قد لا يكون الوقت مناسباً للخوض في نقاش سياسي. زيارتي هي للعمل العلمي، لكن يمكنني ان أكون طرفاً في هذا النقاش، فقط لأغراض التحققّ.

اليوم، وحين استعيد أطراف هذا الحديث ، اجد نفسي مضطرّا للخروج من حقل التاريخ إلى حقل السياسة.

في الوضع الراهن لليمن، قد تبدو المعركة لكثيرين وكأنها سوف تفجر في الشمال. في الواقع ستكون المعركة الكبرى في الجنوب. بالنسبة للقوى الإقليمية والغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، الشمال اليمني الفقير لا أهمية إستراتيجية له. إنه عديم القيمة من منظور المصالح الدولية الكبرى؛ بينما يبدو الجنوب هو ( الكنز) حيث باب المندب- الذي يتحكم بشريان الطاقة والتجارة مع العالم- وخزّان الغاز في السواحل. إن كل الضجيج الدائر في صنعاء، ومحاولات تصوير ما يجري وكأنه ( ثورة جماهيرية ) ضد سيطرة أنصار الله ( الحوثيون) لا وظيفة له سوى صرف الأنظار عن مسرح المعركة الكبرى التي تستعد كل الأطراف الإقليمية والدولية لخوضها هناك. في الجنوب، تلوح نذر مواجهة دولية سوف تقررّ لا مصير اليمن؛ بل مصير جيرانه أيضاً.

لقد تشكلت في المشهد السياسي اليمني فعلياً ، ثلاث بؤر للتوتر القبلي والسياسي :

1: البؤرة الأولى في الشمال حيث تفرض هناك حركة أنصار الله سيطرتها على أجزاء واسعة، وهي حركة تبدو متماسكة ومصممّة على إنجاز أهدافها المرحلية. وبالطبع لا توجد قوى منظمة قادرة على عرقلة تقدمها. مثلاً: حزب الإصلاح ( الأخوان المسلمون) تشتت قوته العسكرية وتراجعت قدرته السياسية على التأثير، واصبح فعلياً خارج المعادلة، بينما حلت محلّه في الصراع جماعات مبعثرة من قوى قبلية هنا او هناك، لكنها لا تبدو هي الأخرى قوة متماسكة وموحّدة الأهداف والمصالح. حتى الشارع الذي يثور هذه الأيام ضد الحركة في احتجاجات غير متناسقة، لا يبدو أنه قادر على احداث أي خرق في المعادلات السياسية. الضجيج في صنعاء سيظل ضجيجاً . الطبل والزمر في الشمال والعرس في عدن.

2: البؤرة الثانية في الجنوب ( عدن- أبين- الضالع- وصولاً إلى لحج وتعز ) حيث تتقاسمه قوى متناقضة ومتصارعة، ليس من المرجحّ أن تتمكن- حتى مع إنطلاق عملية سياسية جديدة - من تسوية تناقضاتها. وبالرغم مما يبدو ( توحدّاً شكلياً ) من حول عبد ربه منصور هادي؛ فإن التناقضات داخل كتلة القوى الجنوبية تظل أكبر وأعقد من أن يتمكن هادي من تسويتها. القاعدة في البيضاء وشبوة وأبين تمثل أبرز القوى التي تتحكم في مسار التطورات المستقبلية في الجنوب، فهي تسيطر على أجزاء واسعة من الجنوب، بينما لا يبدو أن الحزب الاشتراكي والحزب الناصري وحلفائهما في وضع يمكنهم من فرض اي تغيير حقيقي. الحزب الاشتراكي ( الحاكم سابقاً) ليس حركة منسجمة وموحّدة.

إن تيار علي سالم البيض المتحالف مع قطر، يحتفظ بقنوات اتصال خاصة مع إيران وحزب الله ، فالبيض الذي يتلقى الدعم المالي من قطر، يحظى بحماية حزب الله في بيروت حيث يقيم، بينما يتمتع تيار علي ناصر محمد ( الرئيس الجنوبي الأسبق) بدعم طهران وسوريا وروسيا كرئيس توافقي.أما بقايا رابطة أبناء الجنوب والمجموعات الرجعية التقليدية المرتبطة بالخليج، فهي أضعف من أن تستطيع فرض اي حل. وممّا يضاعف من تعقيد الوضع في الجنوب، أن داعش تسللت إلى جزيرة سوقطرة ( حيث سيّرت قطر اسطولاً من الطائرات كانت تنقل الإرهابيين بشكل سري ومنتظم خلال الأشهر القليلية الماضية) . واستطيع أن أتكهن بأنها سوف تصبح معقلاً لداعش خلال وقت قصير. سيطرة داعش على سوقطرة ، هو نقطة البداية في تحولها إلى قوة رئيسة في الصراع حول مستقبل عدن. هذا يعني أن المحور التركي- السعودي- القطري بدأ في تأسيس معادلة جديدة للصراع في اليمن ، يمكن تلخيصها بأبسط الكلمات على النحو التالي: يمكن لإيران وروسيا ( وأنصار الله) أن يمكثوا في الشمال اليمني، لديهم ساحل الحديدة وحجة . هذا يكفي. لا تقتربوا من باب المندب؟ سوف ترد إيران وروسيا ( وأنصار الله) بالزحف نحو الجنوب. لن تصمد في وجههم أي قوة، سوى داعش ورديفتها القاعدة.كل هذا سوف يكون كافياً لتمزيق الجنوب؟ ماذا يفعل البيض؟ وماذا بوسع الناصريين وبقية اطراف الحراك الجنوبي أن يفعلوا؟ عليهم أن يختاروا: دعش والقاعدة وهادي أم التفاوض مع أنصار الله؟

3: البؤرة الثالثة حضرموت . إن ما يجعل حضرموت ( أمّ المشاكل) في اليمن، أن هناك ما يشبه الإجماع الشعبي على الاستقلال كدولة ( ما يسمى حضرموت الكبرى). التيار المتحكمّ في الشارع هو تيار رافض ( للهوّية اليمنية) ويكاد يكون هو القوة المهيمنة، وهو تيار يستند إلى دعاوى تاريخية زائفة وإلى نوع من ( المثيولوجيا- الأساطير الشعبية) التي تصوّر حضرموت ( الواردة في التوراة) كمملكة مستقلة عن اليمن التاريخي، ولذلك فهو لا يعتبر نفسه يمنياً وينادي علناً بالهوّية الحضرميّة. ومع أن هذا التيار لم يتبلور في صيغ تنظيمية واضحة وقوية، إلأ أنه يشكل قوة حقيقية في الشارع. بيد أن حضرموت لن تتمكن- مهما فعل المعارضون هناك- من تحقيق أحلامها، إلإ إذا تمّ حسم الوضع في عدن. وهذا ما يبدو مستحيلاً ، نظراً لوجود قوى متصارعة داخل عدن لا تسمح بتشكيل أي موقف سياسي استراتيجي يوحدّها من حول أي هدف. إن هروب الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى عدن، ليس عملاً بطولياً قام به الرجل. هناك من دبرّ له عملية - هروب- مثيرة ترافقت مع تفريغ صنعاء من الوجود الدبلوماسي العربي- الغربي، ثم عودة هذا الوجود إلى عدن وبحيث تصبح بديلاً من صنعاء. إن تهريب هادي مصمم لهدف واحد: أن يعود إلى موطنه القديم عدن ليلعب دوره كزعيم جنوبي بديلاً من دور البيض وعلي ناصر. وكما ان عدن هي بديل صنعاء، سيكون هادي بديل البيض وناصر.

ولئن كان البيض هو مرشح قطر لتحقيق هدف انفصال عدن وسيطرتها على غاز الساحل لتصبح اكبر منتج للغاز في العالم- وتتفوق على روسيا- فإن علي ناصر وهو الأقرب لسورية وإيران وروسيا،سيرمي بثقله لمنع واحباط مشروع الانفصال للحفاظ على وحدة الجنوب. أما هادي ، فلن يكون أمامه سوى ان يظهر ولاء كافياً للسعودية، ويحصل منها مباشرة على دعم مالي لدويلة عدن، وبحيث تؤدي عملية تهريبه إلى تحقيق أهم نتيجة : تنظيم عملية فصل حضرموت لا عدن؟ أي الصراع مع حضرموت بكل الأشكال حتى يحدث انفصالها؟وهكذا تصبح عدن مسرحاً لصراع ثلاث قوى داخل الحزب الاشتراكي القديم؟ كان عبد ربه في الثمانينات من القرن الماضي- حيت عشتُ في عدن عام 1980 - موظفاً صغيرأً في دائرة تعنى بتوزيع الكتب المدرسية، ولم تكن له أي مكانة في الحزب الحاكم- آنذاك- الحزب الاشتراكي. في عدن تعرفت على بعض قادة الحزب والدولة، ثم تسنى لي أن ألتقي الرئيس علي ناصر محمد- وتوثقت علاقتي به في دمشق بعد يناير 83- وبوجه العموم فقد كنت صديقاً لمعظم قادة الحزب الاشتراكي ومعظم الوزراء، وبعضهم كان ضيفاً في بيتي في دمشق بعد يناير المأسوي.قلت لصديقي السيّاني: قبل أن يتمكن احد من فصل حضرموت، عليه أن يحل عقدة عدن؟ عدن عقدة الجنوب، لانها تضمّ مكوّنات وقوى وجماعات، معادية – في الأصل- لأي محاولة وتحت اي ظرف أو بواعث، لفصل حضرموت أو تحويلها إلى (مدينة- دويلة) أو ضمّها إلى بلد آخر؟ حين جاء الرئيس عبد ربه منصور هادي من دائرة توزيع الكتب المدرسية إلى رئاسة الجمهورية بفضل المبادرة الخليجية، فقد جسد تلك اللحظة الفارقة في التاريخ اليمني: كانت اي محاولة لمنع التقسيم ووقوع اليمن في حرب أهلية، تستدعي اختيار شخص توافقي من الجنوب اليمني، لكن قوى إقليمية كانت تريد رئيساً ضعيفاً وتوافقيّا في الآن ذاته ؟ ولم يكن ذلك عملاً برئياً.كان يتوجب اختيار شخص من الجنوب، يكون ضعيفاً وهامشياً ولا مكانة سياسية له لكي يكون رئيساً، لأن ضعفه سوف يساعد -خلال تطور الأزمة - على حدوث التقسيم وفصل عدن ( وليس الجنوب كله) ثم حضرموت. وكما أن عبد ربه فشل في لعب دوره التوافقي، فسوف يواصل فشله في قيادة ( حكم صوري) من عدن، حتى مع الدعم الذي حظي به من الخليج. وليس مستبعداً أن تعود كل السفارات الأوروبية التي أغلقت أبوابها في صنعاء، للعمل من عدن، وفقط من أجل أن يكون هناك عرس وطبل وزمر؛ بينما العريس هو التقاتل والصراع الدامي.

إن ( تهريب) الرئيس من صنعاء إلى عدن، هو محاولة يائسة قامت بها أطراف محلية- إقليمية- دولية، لنقل الصراع برمته حول الهدف الحقيقي: من يسيطر على باب المندب؟ أنصار الله أم داعش والقاعدة؟ المعركة ليست في صنعاء؟ انها في الأصل معركة عدن حيث 14 تريليون قدم مكعب من الغاز في السواحل ؟ من يستولي على غاز عدن، يمكنه أن ينتقل من عصر النفط إلى عصر الغاز. وهذا مركز صراع قطري- سعودي: ايٌ من الطرفين المتخالفين- المتخاصمين يمكن ان يستولي على غاز سواحل عدن ويضمها ليصبح دولة كبرى في عصر الغاز القادم؟

بعد استيلاء حركة انصار الله على مراكز القوة والنفوذ في معظم اليمن الشمالي، لم يتبق أمام السعودية سوى التحالف مع تركيا- وليس التحالف مع قطر التابعة لتركيا- لقطع الطريق على ايران وروسيا وحرمانهما من الوصول إلى باب المندب. إن وضع اليد على باب المندب وخزان الغاز في الساحل الجنوبي، يمكنه أن يتحكم في مسار التطورات في المنطقة لا في اليمن؟ مشكلة هادي انه سوف يمزق الجنوب. حضرموت لن تقبل إلا بدولة خاصة. وعدن سوف تمنع انفصالها. هذا يعني أن حركة أنصار الله، يمكنها ان تستفيد من ابعاد الصراع خارج صنعاء وحصره في عدن. لقد بدأت معركة طويلة بين رئيس ضعيف بلا صلاحيات ( ومقومات حقيقية للحكم ) ضد خصوم أقوياء. ولو افترضنا أن هادي وبدعم من اوروبا وبعض العرب، نجح في الانتصار على أنصار الله، فماذا سيفعل مع داعش في سوقطرة والقاعدة في أبين والبيضاء وشبوة؟ وماذا لدى الحزب الاشتراكي بجناحه القطري، من مقومات صمود أمام انصار الله ؟ وكيف يمكنه ردع الحضارمه الذين يعملون على الإنفصال عن الجنوب، وهم متقاربون مع السعوديه بشكل كبير؛ بل إن الحضارمه يعتبرون أنفسهم جزاءا من الإمتداد الجيوغرافى للسعودية؟ مصير حضرموت تقرره عدن. لا صنعاء. ولأن حضرموت لن تنفصل الا إذا انفصلت عدن؛فإنها وبسبب جغرافيتها المتصلة بالجوف، ستجد نفسها وجهاً لوجه مع أنصار الله؟ وماذا لدى حضرموت للصمود أمام أنصار الله الذين يسيطرون على الجوف؟

عدن ليست على وفاق مع حضرموت لا سياسيا وقبليا، وهماً معاً تتماثلان في طبيعة المأزق الراهن. مأزق حضرموت شبيه بمأزق عدن.

نريد الهروب من الهوية اليمنية الجامعة ، لكن ليس لدينا الأدوات والوسائل.

وحدها داعش تملك إمكانية (سرقة) عدن والفرار بها، أو (سرقة) حضرموت وتحويلها إلى كيان حضرمي- إسلامي. ياله من مصير مأسوي؟

لذلك سوف تنحصر المعركة في عدن بين المحورين المتصارعين في المنطقة : المحور- السعودي- القطري- التركي، والمحور اليمني- الإيراني- الروسي. إنه صراع القرن 21 على بوابة العالم.
المزيد...

3/01/2015

اليمن يحددّ مصير جيرانه (1) - الصراع (حول الدولة ) في عصر الإنهيار العظيم

  ( سيف بن ذي يزن (تمثال للملك معد يكرب

الكاتب: فاضل الربيعي

لم يمرّ على المنطقة العربية من قبل، عصر شبيه بهذا العصر. كانت هناك عصور انحطاط وانهيارات. لكن عصراً شبيهاً بعصر الإنهيار هذا، لم يمرّ بكل يقين. دول وكيانات وشعوب تنهار أو تتلاشى خلال بضع سنوات من القتال. لم يبق من الصومال سوى الأسمال البالية. السودان غارق في مستنقع الدم منذ سنوات. العراق يحتضر تحت شجرة ديمقراطيته الفريدة في نوعها . مصر تترنح، تنهض وتتعثر. ولم يبق من ليبيا سوى إماراتها الإسلامية المتوحشة. قد تكون سورية المثخنة الجراح استثناءاً في القاعدة. وفي ما يشبع عصر انهيار عظيم آخر، يبدو أن اليمن يقاوم حتى النهاية من أجل أن لا تضمحل دولته وتتلاشى، كما تلاشت مراراً. ولئن كانت هناك وجوه كثيرة للصراع الدائر في اليمن، بعضها يبدو نوعاً من تكرار لتاريخ قديم؛فإن أهمها على الإطلاق وأكثرها دلالة على نوع وطبيعة التكرار، ذلك التوتر العنيف الذي ينشب بين القبائل بعضها ضد بعض. حتى الصراع الدائر بين داعش وأنصار الله، يجب أن يُنظر إليه على أنه نوع من تكرار للصراع القديم نفسه ولكن بأدوات ووسائل أخرى. ليس ثمة صراع قبلي في تاريخ المنطقة بأسرها، يمكن أن يتخذ طابعاً إقليمياً- دولياً سوى الصراع الدائر في اليمن؟ وبسبب ذلك، فقد كفّ عن كونه مجرد صراع قبلي، واتخذ طابعه كصراع شامل، متراكب ومعقد ويتقررّ فيه لا مصير اليمن؛ بل ومصير جاراته أيضاً. لقد اتخذ هذا الصراع باستمرار، شكل صراع مزدوج، تارة بين حمير وسبأ، وتارة بين الشمال والجنوب، ومرات كثيرة في صورة حروب وصدامات بين فارس وروما ( ثم بيزنطة).

وفي هذا التاريخ، ليس ثمة وجه ديني- مذهبي. إن ما يثار اليوم عن توتر أو تجاذب مذهبي بين الزيدية والشافعية، هو من مُخْتَلقات بعض السياسيين اليمنيين- الذين يفتشون دون جدوى عن ذرائع تغطي نزعاتهم المذهبية-. كانت ذريعة وجود بُعد مذهبي في الأحداث، ملائمة لهؤلاء لتصوير كل ما يجري، وكأنه ناجم عن تدخل فارسي أو مطامع إيرانية أو شيعية. وأن اليمن لو لا تدخل ( الفرس) وأطماعهم، لكانوا في أهنأ وأرغد عيش؟ وهذه أكذوبة لا تصمد أمام حقيقة أن المنطقة كلها تعيش لحظة تداعٍ وانهيار للدول المركزية، وأن اليمن- بوجود نفوذ إيراني أو من عدمه- هو في قلب الزلزال ويتهددّه الخطر نفسه الذي يتهدد الدول الأخرى. في الصومال لم تكن هناك إيران ولم يكن هناك شيعة. لكن الصومال تلاشى. في السودان لم يكن هناك نفوذ إيراني ولا وجود للشيعة، ومع ذلك تشظى السودان. الأمر ذاته في ليبيا ومصر؟ وبطبيعة الحال، فقد أدّت أكذوبة الصراع الطائفي في اليمن إلى اضفاء بُعد زائف لا وجود له على الخلافات والتناقضات السياسية المحتدمة. إن فهماً عميقاً لما يجري، يجب أن يلاحظ وجود ثلاثة محاور كبرى ( هي الوجوه التي تجلى فيها الصراع ) لاتزال تتكررّ في هذا التاريخ منذ ما يزيد عن ألفي عام؟

في هذه السلسلة من المقالات، سوف أقدّم مقاربة جديدة للأحداث الجارية في اليمن من منظور تاريخي- فكري يسمح بتحليل سياسي هادئ وموضوعي. وسأبدأ الحلقة الأولى برسم إطار شديد العمومية- لمساعدة القرّاء غير المتخصصيّن على استيعاب أبعاد ما يجري- لا أكثر.

أولاً : صراع الشمال والجنوب ( سبأ وحمير)
ثانياَ : العامل الإيراني في الصراع الداخلي : فارس- وروما ( أو بيزنطة)
ثالثاً : الزيدية والشافعية

أولا - الشمال والجنوب، سبأ وحمير:

إن فهماً عميقاً لجذور وأسباب وبواعث التوتر التاريخي بين الشمال والجنوب في اليمن، يتطلب التعرّف على نوع وطبيعة الإخفاق والفشل في بناء دولة مركزية. لقد تحطم طموح اليمنيين مرات كثيرة عبر التاريخ في بناء دولة مركزية موّحدة، ولم يكن ذلك قدراً اسطورياً محتوماً، أدّى- ويؤدي – إلى تكبيل إرادتهم أو شلها عن التقدم؛ بل كان نتيجة منطقية لسلسلة من التفاعلات الداخلية والخارجية. ولعل تصوير ما قامت به حركة ( أنصار الله- ما يعرف خطأ بالحوثيين) وكأنه حدث مفاجئ مقطوع أو منفصل عن سياقه التاريخي، وأنه وقع فقط بفعل وجود عامل إقليمي (النفوذ الإيراني) وأنه يمثل نوعاً من اجتياح خارجي بأدوات محلية، قامت به جماعة من محافظة صعدة لفرض امر واقع جديد على محافظات اليمن الأخرى، يتضمن كل ما يلزم من التشويه المتعمّد للحقائق. ما حدث ليس أمراً استثنائياً ولا مفاجئاً؛ بل هو تكرار لصراع قديم. كان اليمن التاريخي الممُزق، والباحث عن وحدته ودولته المركزية، يفتش باستمرار عن سبيل للخروج من دائرة قدره، واليمنيون يدركون أن بلدهم الذي لم يكن في أي يوم من التاريخ بلداً موحدّاً بالصورة التقليدية التي نعرفها، لا يزال يواصل حلمه بدولة واحدة. لقد كانت هناك أشكال متنوعة من الوحدة ضمنت وجود دولة قوية، ولكن الدولة ظلت أقل ( مركزية). ولو أننا ذهبنا إلى أبعد نقطة في التاريخ القديم وفتشنا عن لحظة مشابهة لما يجري اليوم، فسوف نكون أمام الحقائق التالية : في حدود 850 ق.م قامت قبائل من حضرموت بالاستيلاء على صعدة وكامل منطقة الجوف اليمني وعمران ومأرب وصنعاء، وأسسّت أول دولة كبرى سوف تعرف باسم ( مملكة معين الجوف). فرض المعينّيون الذين يعودون بأصولهم إلى آخر الأسر الملوكية في حضرموت، سيطرتهم المطلقة على كامل أراضي الشمال، كما فرضوا على قبائل اليمن عبادة الإله المركزي ( ود). وهذا هو اسم الإله الوارد ذكره في القرآن ( آية : وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا- سورة نوح - الآية 23 ).

ثم اتسعت سيطرتها حتى شملت سواحل حجة والحديدة. إن استيلاء جماعة أنصار الله -ما يسمى الحوثيون- على الجوف ثم وصولهم إلى حجة والحديدة بعد عمران وصنعاء، هو نوع من تكرار للصراع القديم نفسه. إنه حدث قديم يتكرر اليوم مرة اخرى وحسب . لقد قامت قبائل حضرموت من قبل بعمل شبيه. اندفعت من حضرموت فصعدة فالجوف فعمران حتى الساحل. وبذلك اسستّ مملكتها ( المعينية). لقد مكنّها الاستيلاء على الساحل من قيادة تجارة العالم القديم مع بابل وأثينا لا عبر الطرق البرية، وإنما أيضاً عبر البحر، ولتصبح المملكة المعينية في غضون وقت قصير مملكة ثرية بفضل توسع تجارة البخور واللبان والأحجار الكريمة والعسل والزيوت والجلود. ومع ذلك، ظلت مناطق كثيرة في الشمال خارج سيطرة المعينيين، وكانت فعلياً تحت نفوذ خصومهم من القبائل السبأية. أما في الجنوب ( تعز وأبين وعدن) فقد كانت حمير تنتظر الفرصة التاريخية للعب دورها في الصراع. وفي حدود عام 650ق.م، أي بعد نحو قرنين فقط، تمكنت قبائل سبأ من انتزاع أراضيها في الشمال، حين بدأت مملكة معين الجوف تتداعى. وبذلك ظهرت في المسرح التاريخي دولة قوية جديدة هي دولة ( سبأ وريدان). في هذا الوقت كان الملك اليمني العظيم كرب إيل وتر بن ذمر علي، يوجه آخر الضربات لمملكة معين الجوف ( الحضرمية ) ويطرد رجالها من الساحل ، ثم يعلن تأسيس أول مملكة باسم ( مملكة سبأ وريدان) ويبادر إلى نسج أفضل العلاقات مع ملوك بابل ( والنقوش الآشورية- البابلية تذكر اسم كرب إيل- كربيلو هذا في اخبار موثقة عن ارساله الهدايا من الأحجار الكريمة والبخور).في هذا الوقت تخلت اليمن عن الإله ودّ إله المعينيين، واستبدلته بإله سبأ الجديد الإله ( المقه ). لقد آمن السبأيون الشماليون بالإله ( المقه ) وفرضوه إلهاً مركزياً، فآمنت به قبائل الجنوب دون مقاومة. لكن هذه المملكة السبأية- الشمالية العظيمة سرعان انهارت في النهاية تحت ضربات القبائل الحميرية في الجنوب، ولتنشأ دولة قوية جديدة باسم الدولة الحميرية نحو عام 120 م. إنه صراع قديم ومتكررّ في التاريخ.

وفي كل مراحل هذا الصراع، لم يكن هناك أي موضوع دينيّ. لقد كان صراعاً حول الدولة لا حول الدين، أي أن التوتر التاريخي بين الشمال والجنوب،سبأ وحمير،لم يكن يتمركز في أيّ وقت داخل حيزّ الآلهة والمعتقدات. وبالرغم من التناقضات والتجاذبات بين القبائل، فقد كانت تتعبّد للآلهة نفسها، حتى وهي تتصارع حول الدولة المركزية. كان قدر اليمن أن دولته المركزية غالباً ما كانت تنهار، تجربة أثر أخرى تحت وقع ضربات القبائل المتخاصمة، فإذا ما قامت دولة مركزية في الشمال ثارت ضدها قبائل الجنوب، والعكس صحيح. نخلص من ذلك إلى تقرير الحقيقة التالية : إن المضمون الحقيقي للصراع الذي دار ذات يوم في التاريخ القديم، ويدور اليوم في المسرح الجغرافي نفسه، يكشف عن جوهر مايحدث. إنه صراع من أجل الدولة وحولها.
إن أي محاولة لإضفاء طابع ديني- مذهبي على الصراع اليوم، هو من قبيل التلاعب بالحقائق.

ثانيا - العامل الإيراني في الصراع (فارس وروما):

أمّا الوجه الإشكالي في الصراع الدائر، فهو يكاد يتلخص في الفكرة الزائفة التالية التي يروّج لها كثرة من المحللين السطحيين والسياسيين الطائفيين: إن ما يجري هو نتيجة طبيعية للتدخل الإيراني؟ مشكلة هذه الفكرة أنها لا تقدم أي جواب صحيح عن السؤال المضاد التالي: وهل كان العامل الإيراني- الفارسي في تاريخ اليمن القديم سبباً في انهيار الدولة اليمنية القديمة؟ إن العامل الإيراني الراهن، ليس وليد حركة ( الحوثيين) ولا ناجماً عن ظهور حركة ( أنصار الله) ؟ إنه وليد المصالح الاستراتيجية القديمة والجديدة التي فرضتها الجغرافيا. ولأن العامل الإيراني عامل قديم قدم الصراع القبائلي نفسه ، فمن الإنصاف رؤية هذا الجانب من المسألة بتعقل وموضوعية دون انسياق وراء العواطف السياسية والولاءات المذهبية. إن التاريخ اليمني هو الذي يخبرنا بالحقائق التالية عن الدور الفارسي: كانت روما ( ثم بيزنطة) في صراعها مع فارس تدرك أن الحرب بين الطرفين، لن تتوقف حتى مع إبرام سلسلة من معاهدات الصلح ، وهي معاهدات ظلت مستمرة حتى العصر البيزنطي ، والسبب في مثل هذا الاعتقاد عند الرومان – آنذاك- أن الصدام بين الطرفين كان يتسع ليشمل بلاد الشام لا اليمن وحدها. كانت لروما مصالح كبرى في اليمن، ليس أقلها أن الاستيلاء على ثروتها من البخور ( وهو ما يضاهي ثروة النفط اليوم) سوف يوفر على خزينتها المنهكة الكثير من الأموال التي تصرف لشراء البخور للمعابد. وكان الاستيلاء على جبال الذهب والفضة في مدن اليمن، حلماً رومانياً لحل مشكلة خواء الخزينة ومواجهة أعباء الحروب التي كانت روما تخوضها في كل مكان. ولم يكن هناك – في العالم القديم- أي قوة كبرى يمكن لها ان تواجه طموحات روما في المنطقة سوى فارس. وهكذا، اتخذ الصراع داخل اليمن طابع صراع بين روما وفارس ثم بين بيزنطة وفارس، وكان آخر انزال بحري بيزنطي في سواحل عدن نحو العام 50 ق.م ، وكان إنزلاً فاشلاً، مكرّساً لتنظيم هجوم بحري كاسح ضد الفرس. لقد تواصل هذا الصراع حتى اتخذ في حدود العام 579 م طابع مواجهة واسعة بين فارس وبيزنطة انتهت باقتلاع النفوذ البيزنطي. كان الملك نوشروان في أواخر أيام حكمه، عندما طلب منه أحد ولاته في مملكة الحيرة بالعراق ( النعمان بن المنذر أبو قابوس) التدخل لنجدة أمير يمني صغير خلعته قبائل موالية لبيزنطة يدعى معد كرب. وهذا الأمير هو الذي سوف يُعرف في السير الشعبية باسم الملك سيف بن ذي يزن.

وحسب رواية المؤرخ العربي المسعودي- وهي رواية دقيقة وموثقة نسبياً- فقد كان نوشروان يشعر بالحرج من الصدام مع البيزنطيين دون سبب حقيقي، يسمح له بالتخلي عن معاهدة الصلح. ولذا أمر بإطلاق سراح المجرمين في سجن خانقين ( العراق) وتحميلهم في اسطول بحري صغير مؤلف من ثماني سفن، قائلاً : إذا ما قتلوا فقد تخلصنا منهم. أما إذا انتصروا، فسوف يكون هذا نصراً مجانياً لفارس. في هذا الوقت، تم الاتفاق على تنسيق هجوم بري تقوده قبائل موالية لسيف بن ذي يزن. وحسب التاريخ الرسمي، فقد تلاقت الجماعتان : القادمة من سواحل عدن مع القبائل المندفعة من لحج. لكن الفرس، حتى وهم يحتفلون بتنصيب سيف بن يزن ملكاً من ملوك اليمن، لم يتركوا أي قوات عسكرية. لقد شجعوا الجماعات الموالية لهم على تولي إدارة المدن بشكل مباشر، كما شجعوا زواج الفرس بنساء يمنيات ( وهذا ما نجم عنه ظهور ما يعرف بظاهرة الأبناء وهم اليمنيون من آباء فرس وأمهات يمنيات). لقد ظلت فارس في الوجدان اليمني حاضرة لوقت طويل، كبلد جار هبّ لنصرتهم. ولذا تغنى الشعراء القدامى بما يعرف بذكرى التحرير الفارسي لليمن. قبل هذه الأحداث بنحو نصف قرن ( نحو 525 م) حين وقع الاحتلال الجبشي لليمن، وهو احتلال قامت به الحبشة نيابة عن البيزنطيين، ساعدت فارس اليمنيين بشكل مباشر على تنظيم حملة لطرد الأحباش وتحرير اليمن من قبضة بيزنطة.

في هذا الوقت كانت فارس مجوسية وكانت اليمن يهودية ؟
نخلص من ذلك إلى تقرير الحقيقة التالية : ليس الدور الإيراني في اليمن وليد (حركة الحوثيين). أي ليس ناجماً عن طموح إيران ( فارس القديمة) لفرض مذهبها أو دينها. إنه وليد المصالح الاستراتيجية الكبرى والقديمة في باب المندب. وكما أن إيران قاومت اقتراب روما ثم بيزنطة من باب المندب، تقوم إيران اليوم بالدور نفسه سعياً وراء منع روما الجديدة، أو بيزنطة أخرى من الاقتراب. وبكل تأكيد لم يكن سيف بن يزن حوثياً، ولم يكن شيعياً، وفارس نفسها لم تكن إسلامية او شيعية؟ كما أن اليمنيين لم يكونوا مجوساً حين طلب سيف بن يزن مساعدة المجوسي نوشروان؟ هذا يعني ببساطة، أن العامل الديني لا أثر له في هذا الصراع .

يتبع>>>>

المزيد...

2/23/2015

ليسوا ( حوثيين) وليسوا ( شيعة)؟ لفاضل الربيعي

عبدالملك الحوثي زعيم حركة أنصار الله في اليمن

الكاتب: فاضل الربيعي

لماذا يطلق الإعلام العربي لقب أو اسم ( الحوثيون) على الحركة الشعبية في اليمن؟ إن اصطلاح ( الحوثيين) ليس اسماً دالاً على حركة أو حزب او جماعة، بمقدار ما يبدو اسماً او لقباً دالاً على شخص بعينه؟ هذا اسم ( لقب، اصطلاح ...الخ الخ) اطلقه أعداء هذه الحركة منذ عهد علي عبد الله صالح ( وهذا امر مشهود في التاريخ، فالأمريكيون هم من اطلق اصطلاح الهنود الحمر على السكان الأصليين من ابناء حضارة الأزتك؟) . لقد سمّى أعداء الحركة التي انطلقت من مركزها التاريخي صعدة، باسم ( الحوثيين) بهدف تحقيرها والتقليل من شانها، بما أنها تنتسب لشخص متمرّد؟ اليوم، يُراد من هذا الاصطلاح ان يستخدم بطريقيتين، احداهما أن تنسب الحركة الشعبية برمّتها إلى شخص متمرّد يدعى الحوثي؟ وهذا شخص لا وجود له اليوم، لأن من نشاهدهم في الشوارع هم مئات الآلاف ، والثانية أن يؤدي مضمونها إلى الاعتقاد بوجود ( تيار مذهبي).

على هذا النحو تمّ تصنيع صورة ( الحوثيين) طوال اكثر من عشر سنوات. في المرحلة الأولى تمّ تصويرها كجماعة تنتسب لشخص، وفي المرحلة الثانية بوصفها ( مذهبية). الصورتان مزيفتان، لأن الحركة ذات طابع شعبي وليست حزب عائلة او قبيلة او جماعة دينية. وفوق ذلك؛ فإن الزعم بأنها ( حركة مذهبية) أي شيعية، كما هو السائد في وسائل الإعلام، هو تزييف فظيع، لأن هذه الجماعة زيدية على مذهب كل أهل اليمن، وكل ما يقال عن انها متشيّعة ، ينبني على مزاعم واهية. من المؤكد أن حزب ( انصار الله) وهو الجناح العسكري- السياسي للحركة الشعبية، يضمّ اليوم بين صفوفه عدداً من المقاتلين ممن ينتمون للمذهب الأثني عشري. لكن هؤلاء لا يزيد عدد هم عن 5% فقط. هذه حركة شعبية، ليست ( حوثية) وليست( شيعية) بل ثورية- يمنية- زيدية.

والآن : ما الذي يجري في اليمن وإلى أين هي ذاهبة؟ هل حقاً، انها سوف تنزلق نحو حرب اهلية؟ إن التهويل الإعلامي وتضخيم الأحداث والمبالغات الفظيعة في تصوير الوقائع، يكشف عن محاولة يائسة لحرف الأنظار عن حقيقة ما يجري. واخيراً، جاء غلق السفارات ليكون مادة في صناعة هذا ( التهويل). سوف اسجل الملاحظات التالية في تحليل الحالة اليمنية الراهنة:

أولاً : الحركة الشعبية وحزبها ( أنصار الله ) في اليمن، يقودون تحوّلاً تاريخياً سوف يضمن و- يحافظ- على وحدة اليمن في مواجهة داعش اليمنية ( التي تصوّر ضمن التزييف انها القاعدة المتحالفة مع القبائل والأخوان المسلمين، اي حزب الإصلاح). وهذه الحركة، هي القوة التاريخية الوحيدة القادرة على تفكيك شبكات داعش الأطلسية – المخابراتية. لا توجد أي قوة على الأرض قادرة على قهر مشروع داعش الأطلسي- المخابراتي في اليمن سوى الحركة الشعبية الثورية اليمنية وحزبها ( أنصار الله).حتى اللحظة لم تطرح الحركة أي شعار ديني- مذهبي في مواجهة داعش التكفيرية؟ فكيق يقال لنا انها حركة ( شيعية)؟

ثانياً : إن غلق السفارات الغربية لاقيمة له على الإطلاق، وهو محاولة ( للضغط) بوسائل يائسة لتعديل الوقائع على الأرض. اليمن هي التي تتحكمّ بمصير أوربا التي أغلقت سفاراتها وليس العكس. لديها باب المندب شريان حياة الأوربيين، وتستطيع أن تعيش لوقت طويل دون سفارات غربية ، بينما الغرب لا يمكنه سوى ان يستجدي الرحمة منهم ؟ إن التهويل الإعلامي المصاحب لعمليات إعلاق السفارات، غرضه خلق إنطباع أن اليمن يتجه تحو كارثة، وهذا تزييف للوقائع. الحركة الشعبية الثورية وحزبها ( انصار الله) تفرض سيطرتها المطلقة على اليمن. لقد جرى زحزحة وجود داعش، والدفع بها إلى اضيق زاوية في الجغرافية اليمنية. لم يتبق سوى حيوب ( داعش اليمنية) في رداع، وابين وحضرموت. ان تنظيف الاسطبل من نفايات الأطلسي سوف يتطلب ويا للاسف معارك قاسية.

ثالثاً : كل ما يشاع عن معارك تقوم بها القبائل في مأرب وسواها، هو تزييف مخابراتي- أطلسي. ما يجري بالضبط، هو اصطفاف لجماعات قبلية- تنتمي لحزب الإصلاح- مع داعش ( هذا وضع شبيه بما جري في العراق اي ما عرف بثورة العشائر في الأنبار ثم اتضح ان هؤلاء جماعات متحالفة مع داعش؟). وساعطي المثال التالي للتدليل على نوع التزييف: عندما دخل انصار الله الى محافظة عمران، شاعت مزاعم عن مواجهة بينهم وبين القبائل. حقيقة ما جرى هو التالي: إن محافظة عمران موطن الهمدانيين- قبائل همدان- كانت تشهد انقساماً داخل القبائل بين جيلين، شباب القبيلة متحمسون لأفكار الحركة الشعبية الثورية ويريدون دعمها وتأييدها، وشيوخ قبائل يحتفظون بولاء تقليدي لحزب الإصلاح. الصدام جرى بين الطرفين وليس بينهم وبين ( ما يزعم انهم حوثيون)؟ ولذلك دخلت الحركة الثورية دون قتال تقريباً.

رابعاً : ما يجري في اليمن ليس صراعاً يمنياً- يمنياً. إنه صراع على مصير المنطقة والعالم. اليمنيون يتحكمّون بباب المندب، أي أنهم يقبضون على ( عنق العالم) ويمكنهم في أي لحظة أن يخنقوا اوربا حين يصدر أمر بإغلاق باب المندب؟ سوف ترتعد أوروبا هلعاً. ولا قطرة نفط واحدة؟ وهذا ينطبق على الخليج كله؟ من يتحكّم بباب المندب يتحكمّ بالعالم. هذه هي المعادلة الجديدة. تذّكروا ما قاله حسن نصرّ الله: لقد تغيّرت قواعد الاشتباك؟ واليمنيون مع ( أنصار الله) يغيرّون – هم أيضاً- قواعد الإشتباك ؟

خامساً : من هم اللاعبون الكبار؟ من الواضح أن ما جرى في المملكة العربية السعودية مؤخراً يكشف عن خفايا ما يجري في اليمن. لقد تمت عملية ممنهجة، صامتة وسرية لتصفية ( ارث عبدالله). وجرى تغيير دراماتيكي في السياسات والخطط الاستراتيجية، وبحيث اصبحت السعودية بين ليلة وضحاها من معادية للأخوان المسلمين إلى قوة مركزية في التحالف معهم؟ هكذا سوف ينشأ تحالف سعودي- تركي- قطري. لقد اصبحت السعودية في العهد الجديد جزء من هذا المحور المعادي والكاره لمصر. لكنه مضطرّ ، نظراً للوقائع على الأرض، للبحث والتفتيش عن تسويات ممكنة في سورية واليمن والعراق ولبنان، أي أن يدخل في تسوية مع محور ايران سورية وروسيا .

روسيا وصلت إلى المياه الدافئة في المتوسط ، ويمكنها أن تنام قريرة العين عند باب المندب. كما يمكنها أن تمدّ سيقانها الطويلة لتتمددّ في شواطيء السويس والاسكندرية بعد توقيع اتفاقيات ( صوامع القمح). وهي صوامع عملاقة سوف تمكن روسيا من القيام بعمل مزدوج: إطعام مصر وتخليصها من الابتزاز الأمريكي، وتصديره إلى العالم. وهذه مجرد مقدمة لوجود عسكري تدعمه اتفاقيات تسليح وانشاء محطات نووية؟ إن الذين يتحكمّون بباب المندب يمكنهم أن يستلقوا بهدوء عند شواطي الإسكندرية.

سادساً : مستقبل اليمن ليس رهناً بالصراع الداخلي. كل من يعتقد أن الموضوع اليمني موضوع داخلي يمكن ان تحسمه تسويات داخلية واهم ولا يدرك حقيقة ما يجري. انه صراع دولي- إقليمي هائل بين محورين عالميين- إقليميين. لامناص من التفاهم مع إيران وروسيا وسورية. هل يبدو أمراً مفاجئاً حين أقول لكم أن سورية لاعب كبير بين كبار آخرين في الموضوع اليمني؟ تذكّروا أن الرئيس علي ناصر محمد المقيم في دمشق هو المرشح التوافقي.

المزيد...

2/22/2015

حفلة جنون في الشرق الأوسط (4) - الوحش القادم من بيت المقدس لفاضل الربيعي


الكاتب: فاضل الربيعي

خلال وقت قصير فقط، 2011-2014 أصبح الشرق الأوسط بؤرة حروب دينية ومذهبية متراكبة ومعقدّة، لم يعد هناك منْ يتحدث عن الحرية والديمقراطية وفلسطين،أوالتنمية والدفاع عن الاستقلال وفكّ شروط التبعية. اصبحت مسألة (الخلافة الإسلامية) هي الشغل الشاغل للجميع. لقد أدت (ثورات الربيع العربي) الزائفة، الوظيفة التاريخية التي صُممّت لها. وبفضلها تمكن القادة الدينيون والفقهاء والدعاة وشيوخ المساجد من مختلف المذاهب والإيديولوجيات من تصدّر المشهد السياسي والتلاعب بالجماهير. لكن أخطر هذه الحروب والمعارك وأكثرها بشاعة ومأسويّة لم تقع بعد.

ومن المؤكد، استناداً لتحليل جملة معطيات أن هناك تحضيرات واسعة لفصول جديدة من حروب ومعارك قاسية، سوف تجري فوق رقعة جغرافية تتجاوز منطقتنا. إن البرنامج الأمريكي لتدريب المعارضة السورية ( ما يزعم انها معارضة معتدلة ) يستغرق 3 سنوات. وبحسب هذا البرنامج فسوف يتمكن الأمريكيون حتى العام 2017 من تأليف جيش قوامه 15 الف مسلح. يعني هذا انهم يتأهبون للزّج بالمزيد من المجانين في حفلة الجنون الطويلة؟ لكن هذا البرنامج، وبرغم كل الصخب الإعلامي لا قيمة ولا أهمية له ولن يغيّر الكثير من الوقائع على الأرض، كما أنه لن يسهم في تعميق التصنيف السياسي المضلل، والقائل بوجود طرف معتدل وطرف متطرف داخل الجماعات المتناحرة في العراق وسورية وليبيا وتونس ومصر والنيجر. إن الطابع الديني للحروب متعددّة الأطراف، سوف يغلب على أي تصنيف من هذا النوع. ستكون هناك حروب مجانين ضد مجانين آخرين. وفي هذا النطاق من الفكرة ثمة وحش دينيّ يتأهب الأمريكيون والبريطانيون لإخراجه من زنزانته هو الأكثر فتكاً. إنه وحش مدّرب على خوض الصراع بضراوة حول ( عرش الخلافة الإسلامية) لا حول مسألة قيامها وحسب؟

وسوف يتمحور الصراع حول منْ يتربع فوق عرش الخلافة ومن هو الأحق والأقوى من منظور الشرعية التاريخية والدينية ؟ ولذلك، يتعيّن علينا توقع نشوب حروب طويلة وقاسية. ليس هذا الوحش الديني سوى (حزب التحرير) الإسلامي الذي يعتبر نفسه وريث الخلافة الإسلامية، والسبّاق للمطالبة بها والدعوة لقيامها، وهو مستعد للقتال من أجلها حتى النهاية. إنه يتأهب اليوم بالفعل لخوض قتال شرس. تأسس "حزب التحرير" في القدس في عام 1952 ومقره المركزي في لندن، ولديه فروع كثيرة في آسيا الوسطى وأوروبا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، وخصوصا في إندونيسيا، حيث تمكنت الجماعة هناك من كسب تأييد وتعاطف الملايين. لكن أهم فروعه وأخطرها هو الفرع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية. لقد ساعدت إسرائيل بصمت ومن وراء ألف ستار في تغطية نمو وتطور هذا الوحش، وبات يشكل قوة ( صامتة، نائمة) لكنها ضاربة. اليوم يمكن لحزب التحرير في أي مواجهة قادمة مع حماس سواء في غزّة أو الضفة الغربية، أن يضعها في موضع شبيه بما عليه حال ( الأخوان المسلمين) أمام داعش؟ تاريخياً، كان حزب التحرير أول من رفع شعار الخلافة الإسلامية، ولذا فهو أهم المطالبين بالعرش. وإذا كانت داعش تتهيأ لوضع مولودها ( ضدّها النوعي ) تنظيم خراسان على الحدود الأفغانية- الباكستانية؛ فإن الوحش الآسيوي الذي ولد في بيت المقدس، يتأهب للزحف بملايينه الآسيوية رافعاً بكل رياء رايات ( المسجد الأقصى) و( ثالث الحرمين) ومستخدماً كل الرمزيّات الدينية الأثيرة عند المسلمين؟ إن تسارع الأحداث في المنطقة هو الذي يفرض على الملايين من البشر، تركيز انظارهم على ( داعش) بوصفها الخطر الأكبر، بينما هم في إنتظار وحش آخر أكثر بشاعة وخطورة، ظل لسنوات طويلة حبيس النسيان في ونزانته المظلمة.

ولكي نفهم بعمق حقيقة ما يجري، فسوف أعود إلى التاريخ المسكوت عنه وارسم إطار عاماً يتضمن تحليلاً لمسار الأحداث :

في عام 1954 عقد في أمستردام- هولندا – ووسط أجراءات وتدابير وحراسة خاصة طغت عليها السرية التامّة، اجتماع دولي لا سابق له : ملوك ورؤساء جمهوريات ورؤساء وزارات ووزراء ومدراء شركات وصيارفة ودبلوماسيون وصحفيون من كل أنحاء العالم. ومن اللافت أن قائمة المشاركين تتضمن اسم شركة ماكدونالد ( التي لم تكن في هذا الوقت سوى شركة صغيرة لديها فرع واحد في نيويورك )؟ وحتى اليوم، يحتفظ التلفزيون الهولندي ببضعة أفلام وثائقية عن هذا الاجتماع الغامض، بعضها يتضمن لقاءات مع طواقم الخدمة من الرجال والنساء. لكن لا أحد من هؤلاء يعرف بدقة- تقريباً- ماذا جرى ومنْ هم المشاركون ولا جدول أعمالهم؟ ومع هذا ، تكشف وثائق التلفزيون الهولندي عن امور كثيرة هامة، منها أن هذا الاجتماع قرر – ضمن سلسلة قرارات- ما يلي : ( سوف نتلاعب بالشعوب والثقافات والأديان) ؟

هذا هو جوهر الإجتماع : هناك من قرر التلاعب بالشعوب والأديان. في هذا الوقت- وبشهادة المرحوم حسين الشافعي نائب الرئيس جمال عبد الناصر- في برنامج شاهد على العصر الذي ُيبث من قناة الجزيرة – ظهرت كرّاسة صغيرة من نحو 70 صفحة لأحد منظري الحركة الصهيونية، اطلع عليها الشافعي بنفسه في الستينات من القرن الماضي، تشرح ( الحلم الإسرائيلي ) على النحو التالي وبحسب ما جاء في شهادة الشافعي ( راجع برنامج شاهد على العصر في قناة الجزيرة) : إن حلم إسرائيل خلال 50- 100 عام من الآن ( أي من عام 1954) يتأسس على إمكانية أن تلعب تل أبيب دوراً مطابقاً للدور الذي لعبته ( الخلافة الإسلامية) وبحيث يجري تحويل العالم العربي- الإسلامي بأسره إلى ( ولايات إسلامية لا مركزية) تتبع أو تدار بشكل غير مباشر من مركز ديني جديد هو تل أبيب، أي الدولة اليهودية ؟ لنلاحظ ، أن حزب التحرير تأسس في القدس عام 1952 ؟ فكيف ولماذا سمحت إسرائيل، وغضت الأبصار عن وجود هذا الحزب كل هذا الوقت، وهو حزب ديني متطرف تقوم عقيدته على الدعوة لتأسيس الخلافة الإسلامية؟ في الواقع، يدرك الذين عملوا على ( خلق إسرائيل) إن مأزقها التاريخي سوف يكون ناجماً عن تناقض غير قابل للحل، بين وجودها الجغرافي في قلب المشرق العربي وفي الآن ذاته عجزها التام عن إدارته؟ ولذلك عاشت إسرائيل وهي تشعر أنها أشبه بقلب إصطناعي زرع في المنطقة ( بديلاً عن القلب الطبيعي الذي انتزع بالقوة المتوّحشة ) وأن الجسم العربي- الإسلامي سيظل يرفضه بقوة؟ كانت فكرة الخلافة الإسلامية حلماً إسرائيلياً قديماً يرتبط بحلّ هذه الإشكالية، ذلك أن تفكيك العالم العربي- الإسلامي إلى ولايات صغيرة، هو الطريق الوحيد الذي يتيح لإسرائيل إدارة شرق أوسط مؤلف من فضائين دينيين يهودي- إسلامي. ولذا كان لابد من تأسيس حزب يدعو للخلافة الإسلامية تكون القدس مقره، بما أنها ستكون هي مركز الخلافة بعد تهويدها؟ لقد كانت الوحشيّة الدينية التي مارستها إسرائيل منذ عام 1948 مصممّة لا للاستيلاء على الأرض وحسب؛ بل ولتحويل وجودها الإشكالي إلى وجود طبيعي من خلال تمزيق المنطقة، وكانت فكرة ( الخلافة الإسلامية) الجديدة التي تدار من تل أبيب، واحدة من ( مختلقات) القوى الاستعمارية لتحويل الشرق الأوسط برمته إلى ( نظام ولايات صغيرة) متصارعة في ما بينها، وبحيث تشعر كل ولاية أن وجودها مرتبط كلياً، بقدرتها على ترتيب أوضاعها الأمنية مع تل أبيب، وتماماً كما حدث في التاريخ القريب- قبل أكثر قليلا من 500 عام- حين تمزقت الأندلس وتحولت إلى (ولايات) متصارعة بعضها ضد بعض.

وقد لاحظ الكاتب والمؤرخ المصري الشهير محمد حسنين هيكل في مقالة له نشرت عام 2012 – بعد أن خفتت حماسته لثورات الربيع العربي قليلاً- أن البلدان العربية تتجه بالفعل إلى ( ما يشبه دويلات الأندلس) وأنّ على كل ولاية ووفقاً للظروف المحيطة بها، أن ترتب أوضاعها الأمنية بالتفاهم مع إسرائيل، كما فعلت دويلات الأندلس القديمة حين قامت كل دويلة بترتيب أوضاعها الامنية بالتفاهم مع اسبانيا (أي تقديم فروض الولاء والطاعة لمن كانوا يسمونهم الصلييببن ؟).

الحالمون بالخلافة من الإسلاميين المتشدّدين والمتدّينين الشعبيين البسطاء- على حدّ سواء- يتوافقون على الفكرة التالية التي يمكن تلخيصها بأبسط الكلمات : إن ضعف الأمة ناجم عن ضياع هويتها ( أو تأكل هوّيتها) وافتقادها لدولة قوية تجمع أطراف الإسلام، وان الحل الوحيد هو إعادة تأسيس الأمة – الدولة على نفس القواعد القديمة، التشريعيّة والفقهية التي جاء بها الإسلام؟ إن سائر الجماعات الدينية (من حزب التحرير الإسلامي مروراً بالأخوان المسلمين وانتهاء بالقاعدة وداعش وبو كو حرام في نيجيريا) ترّوج لهذه الفكرة بأشكالٍ مختلفة . بيد أنها هذه تبدو فكرة مضللة في الوضع الراهن، ونظراً للوقائع التي تتشكل على الأرض، فهناك وحوش دينية تستعد لخوض اشرس المعارك حول ( عرش الخلافة) في ( ولايات) مبعثرة ومتصارعة،ليس حول بناء دولة حقيقية قوية للعرب. لقد أصبح وهم الخلافة الإسلامية الجديدة التي يُعاد بعثها من الماضي، هو العنوان العريض لمسألة التلاعب بالشعوب والثقافات والأديان التي تقررّت في أمستردام عام 1954. هل تحلمون بالخلافة ؟ حسناً سوف نساعدكم في تحقيق هذا الحلم. سوف نعيدكم إلى الماضي الذي تمجّدونه وتتشوقون للقاء به وتعودون ( دويلات مدن ) مبعثرة : ولاية نينوى، ولاية الرقة ، ولاية تونس، ولاية برقة ولاية سيناء الخ. وبطبيعة الحال، لن يكون هناك سوى مركز قوي واحد يدير هذه الولايات: تل أبيب. إن استغلال المثيولوجيا الدينية – الإسلامية، اي كل الخزان الثقافي للعرب من المرويات والقصص الدينية والأساطير، يبلغ ذروته اليوم مع استغلال فكرة ( الخلافة الإسلامية ) وربطها بالقدس. فما علاقة القدس أو بيت المقدس بالخلافة؟ وهل كانت فلسطين في أي يوم من التاريخ هي مركز الخلافة؟ أليس أمراً مثيراً للتساؤل أن بعض قادة حماس في غزة وخلال أحداث ما يسمى ( ثورات الربيع العربي) كانوا يرددّون اثناء التظاهرات والاحتفالات: الخلافة الإسلامية قادمة وستنطلق من بيت المقدس؟

إن جوهر التلاعب بالإسلام يقع هنا : التلاعب بفلسطين.

إن الوحش الديني القادم من بيت المقدس ليس خيالاً سياسياً؛ بل هو وحش حقيقي يمكننا تتبع خطاه في أكثر من مكان. هل دون معنى أن داعش المصرية في سيناء ظهرت في صورة ( كتائب بيت المقدس)؟ هل دون معنى أن بعض المجموعات الإرهابية التي تقاتل في سورية ترفع رايات ( بيت المقدس) ؟ هل دون معنى أن الشيخ رائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية في مناطق 48 هو من يتولى ارسال الإنتحاريين إلى سورية، وبعضهم أطباء؟ كانت صورة الفلسطيني في الماضي القريب سواء داخل إسرائيل ام في الذاكرة الأوروبية، هي صورة ة(الإرهابي) الذي يقوم بهجمات انتحارية ضد مواقع يهودية. وبالطبع، فقد استغلت إسرائيل والغرب الإمبريالي هذه الصورة أبشع استغلال. اليوم انتهت هذه الحقبة بعد أن أدّت الصورة النمطية القديمة غرضها كاملاً، ولم تعد صالحة للاستخدام، لأن الموضوع الفلسطيني وعلى خلاف ما أرادت إسرائيل، كسب تعاطف العالم كله خلال السنوات الماضية.

ولذلك سعت إسرائيل بكل الوسائل لإعادة إنتاج صورة نمطية جديدة الفلسطيني نفسه يصبح فيها ( إرهاببياً ) في نظر العربي والمسلم لا في نظر الإسرائيلي ، وذلك من خلال انخراطه في أعمال ونشاطات داخل المجتمعات العربية لا داخل إسرائيل؟ كانت صورة الفلسطيني في الذاكرة العربية- الإسلامية طوال عقود، ذات هالة قدّسيّة خاصة، فهو (فدائي) نموذجي. وهذه صورة مقلقة ومؤذية لإسرائيل. ولذلك كان لابد من ( قلب ) دلالة ( الإرهاب) في هذه الصورة، وبدلاً من أن تكون صورة الفلسطيني عند العرب هي صورة ( الفدائي) الذي يستشهد في سبيل فلسطين، جرى ( تصنيع) صورة بديلة أصبح فيها الفلسطيني في نظر العرب شخصاً إرهابياً يفجرّ نفسه في شوارع المدن العربية لا في القدس؟ لقد كانت تراه ( إرهابيا) وكنا نراه ( فدائياً ).

كان تحطيم قدسيّة فلسطين في الوجدان العربي، وتكسير الصورة الأثيرة والجذّابة التي تحتفظ بها الذاكرة العربية ( للفدائي الفلسطيني) من بين أكثر أهداف إسرائيل إستراتيجية على المستوى الإعلامي والميداني ، وهذا امر ثبت أنه غير قابل للتحقق إلا من خلال الزّج بفلسطينيين للقيام بأعمال إرهابية خارج فلسطين. بكلام آخر، لن يتحقق هذا الهدف إلا في اللحظة التي يشعر فيها اي عربي، إن الفدائي القديم في ذاكرته قد تلاشى وحل محله إرهابي يستهدفه هو ولا يستهدف إسرائيل؟ أليس أمراً محزناً ومثيراً للقلق أننا نشاهد تصاعداً في نزعة ( كراهية الفلسطينيين) داخل الأوساط الشعبية في مصر وسورية والعراق؟ أليس أمراً محزناً أن نقرأ اخباراً مرّوعة عن شاب فلسطين يفجرّ نفسه في مدينة الصدر ببغداد وعن طبيب فلسطيني من مناطق 48 يترك عيادته ويتسلل إلى سورية ليقوم بعملية انتحارية؟ أليس محزناً رؤية التهييج الشعبي ضد الفلسطينيين في مصر ( والإعلان عن اعتبار كتائب القسام منظمة إرهابية-). وأخيراً، أليس أمراً محزناً إعلان الدانمارك أن منفذ هجوم كوبنهاكن هو فلسطيني مولود بالدانمارك؟

ليس هذا سوى العلامات التمهيدية الأولى لإعلان ولادة الوحش الديني في بيت المقدس. سوف يكون ظهور حزب التحرير بداية صراع مرير وطويل حول عرش الخلافة لا على الخلافة نفسها. ولم لا هو يعتبر نفسه الأب الروحي للفكرة؟

يتبع >>>

مقالات فاضل الربيعي
المزيد...