آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أعمال أدبية منقولة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أعمال أدبية منقولة. إظهار كافة الرسائل

11/24/2014

سيد القشة المحظوظ - قصة من التراث الياباني

رجل بلباس ياباني تقليدي

يُحكى أنه في قديم الزمان،كان هناك شاب اسمه " شوبي " يعيش في قرية في ريف اليابان.
و في أحد الأيام ، لما كان عائداً إلى بيته من العمل في الحقل ، تعثرت قدمه بحجر ، و سقط يتدحرج على الأرض. و بعد أن توقف عن التدحرج، اكتشف أن قشة قد علقت بقدمه.
قال : " حسناً ، إن القشة شيء لا قيمة له، و لكن يبدو بأنه قد كتب لي أن ألتقط هذه القشة، و لذلك فلن أرميها ". و بينما كان يمضي في سبيله ماسكاً القشة بيده، جاءت حشرة اليعسوب تحلق و تئز فوق رأسه بصوت مزعج.
قال شوبي: " يالها من حشرة مزعجة !.. سألقن هذا اليعسوب درساًلن ينساه ", أمسك باليعسوب و ربط القشة حول ذنبه، ثم واصل السير ماسكاً اليعسوب،حتى التقى بامرأة تمشي مع طفلها الصغير.
و حين رأى الطفل الصغير حشرة اليعسوب،أرادها لنفسه بإلحاح و قال: " أماه، أرجوكِ أن تحصلي لي على ذلك اليعسوب. أرجوكِ،أرجوكِ ! "
قال شوبي، معطياً القشة للطفل الصغير: " خذ أيها الصغير، سأعطيك اليعسوب "
أعطت أم الطفل إلى شوبي ثلاث برتقالات مما كانت تحمله معها, تعبيراًعن امتنانها له.
شكرها شوبي، و مضى في سبيله. و لم يمض وقت طويل حتى التقى شوبي ببائع متجول يكاد أن يُغمى عليه من شدة العطش. و لم يكن ثمة ماء في الجوار. أشفق شوبي على البائع و أعطاه كل البرتقالات ليتمكن من شرب عصيرها.
كان البائع شديد ألامتنان و رداً للجميل أعطى شوبي ثلاث قطع من القماش.
مضى شوبي حاملاً القماش. و التقى بأميرة تستقل عربة جميلة يحرسها عدد كبير من الخدم والحشم.

نظرت الأميرة من نافذة العربة إلى شوبي، و قالت: " آه ، ياله من قماش جميل هذا الذي تحمله. أرجوك أن تعطيني هذا القماش ".
أعطى شوبي القماش للأميرة و هي بدورها أعطته مقابل ذلك مبلغاً كبيراً من المال.
أخذ شوبي ما حصل عليه من مال، واشترى به حقولاً عديدة. وزّع الحقول على سكان قريته. أصبح لدى كل واحد منهم قطعة أرض خاصة به. عمل الجميع في حقولهم بجد و نشاط . ازدهرت القرية و شُيد فيها الكثير من المخازن الجديدة.
كان الجميع تنتابهم الدهشة حين يتذكرون أن كل هذه الثروة جاءت من القشة الصغيرة التي كان شوبي قد التقطها.
أصبح شوبي أكبر وجهاء القرية. كان يحظى باحترام كبير من جميع سكانها. و ظل كل أهالي القرية ينادونه طيلة حياته " سيد القشة المحظوظ ".
المزيد...

8/18/2013

حكاية إبريق شاي (قصة من الأدب الصيني)



كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل يمتلك إبريق شاي توارثه عن أجداده من جيل إلى جيل . و كان يستعمل كل يوم هذا الإبريق لشرب الشاي فيحمله معه إلى الحقل ليروي عطشه كلما ذهب للعمل .
ما كان هذا الرجل يقدر قيمة إبريقه ، فكان يرمي به بإهمال هنا أو هناك ، ذات اليمين أو ذات الشمال كلما فرغ من الشاي .
و ذات يوم ، مر بائع عاديات في طريق الرجل فعاين الإبريق ليتأكد بعد برهة من الزمن أنه يعود إلى زمن قديم جدا قد يصل إلى أسرة " مينغ " ، فاقترح على الرجل ثمنا مجزيا لاقتناء الإبريق .
فلما تأكد الرجل من أن إبريقه ثمين رفض البيع رغم إلحاح عالم الآثار .
و مضى رجل العاديات في حال سبيله إلا أن صاحب الإبريق ظل واقفا حاملا كنزه الثمين بين يديه لا يدري في أي الأمكنة يضعه .
فوق الطاولة ؟ هو هناك عرضة لأي عابر سبيل فما بالك بسارق مدرب على المهنة .
في الخزانة ؟ قد يدخل فأر وسطه و يتسبب في كسره .
ظل الرجل يدور ويدور في البيت حاملا البريق برفق بين يديه باحثا له عن مكان
هل أضعه فوق هذه الخزانة ؟ يا ويلي . قد يسقط و يذهب في خبر كان .
إذن أضعه هنا . و يدق قلبه رعبا قد أن يضع الإبريق .
إلى أن جن الليل ، فقرر أن يرقد حاملا إبريقه بين يديه ليضمن سلامته .
نام على ظهره مدة ثم استدار على جنبه الأيمن فالأيسر و لكن النوم جافاه . وعند منتصف الليل غفا .
كان في منتصف حلمه حين فتح يديه فانزلق الإبريق وسقط على الأرض فتهشم متشظيا إلى ألف قطعة ...
المزيد...

10/30/2011

( الموتى لا يكذبون ) - قصة من الأدب الفرنسي - بقلم جي في دي موباسان


أحببتها حتى كدتُ أجن بها ! .. ولستُ أدري لماذا يُحب الناس ويجنون! لماذا؟ أليس عجيبا ألا يحلو في عين المحب إلا حبيبه ، ولا تشتعل في جوانحه رغبة إلا فيه ؟ أليس عجيبا ألا يخطر على البال إلا اسمه ! ..أجل ، اسم واحد في هذا الوجود يساوره بلا انقطاع متدفقا كالنبع من أغوار النفس إلى الشفتين ..اسم يردده اللسان فلا يمل ويهمس به كالدعاء في الصلاة كل لحظة !
هذه قصتي أسردها عليك ..أجل قصتي أنا وحدي ، وإن كان الحب قصة واحدة لا تتغير ..قصة واحدة في كل زمان ومكان ..لقاء فحب ..هذه قصتي ..قضيت سنة كاملة يلامسني حنانها وينعشني تدليلها ..سنة كاملة قضيتها بين ذراعيها ، أستاف عبير ثيابها وألتصق بها حتى يصبح كل منا جزءا من حبيبه !
ثمّ …ثمَّ ماتت! لا أدري كيف ماتت ، فقد عادت ذات مساء وقد بللها المطر ثم اعتراها سعال شديد ألزمها الفراش اسبوعا كاملا.ولست الآن بذاكر ما حدث سوى أن الأطباء حضروا وكتبوا وانصرفوا،وأن العقاقير استحضرت واستعملت ..وكانت يداها ساخنتين وكانت الحرارة تشع من جبهتها ، أما عيناها فكانتا تلمعان تحت ظلال الوجوم والأسى ! ثم غاب عن ذاكرتي كل شيء..كل شيء لقد انتهت !
ولم أذكر شيئا بعد ذلك .رأيت الكاهن يقول لي"خليلتك" فشعرت أنه أهانها بهذه الكلمة فطردته من بيتي ، وجاء بعده كاهن رقيق الحاشية عزاني وتحدث لي عنها ..ثم شيعت إلى مدينة الموتى ودفنت..أجل دُفنت ..هي..هي في تلك الحفرة ولم أطق البقاء هناك فأسرعت إلى المنزل لاهثا من التعب وفي اليوم التالي رحلت عن باريس!
عدتُ أمس إلى باريس وما أبصرتُ حجرتي حجرتنا وفراشنا وأثاثنا كل ما يبقى من حياة الإنسان بعد الموت..حتى كتم الحزن أنفاسي ومزق قلبي فكدتُ أقذف بنفسي من النافذة..
إنه لا طاقة لي على البقاء في مكان كان يضم نفسين متحابتين،ولا قدرة لي على الحياة بين جدران تحتفظ بألوف من ذكرياتها وأنفاسها!
وفي لحظة واحدة حملت قبعتي واتجهت إلى الباب هربا من ذلك المكان فإذا بمرآة في حجم الإنسان تعترضني ..في هذه المرآة كانت حبيبتي ترى صورتها الفاتنة ..دعني أقبّل هذه المرآة..ولكن وا أسفاه إنها باردة كالموت..يالها من ذكرى ! إنها مرآة حزينة مؤلمة مزعجة..ما أسعد العاشق الذي يستطيع أن ينسى الذكريات ويدفن الماضي!
وفي الحال اندفعتُ إلى حيث لا أدري و إلى حيث لا أريد ..إنني في المقبرة..أمام قبرها المتواضع ..نظرت إليه..فإذا شاهد من المرمر يعلوه وقد نقشت عليه ثلاث كلمات لا غير " أحبَّتْ، وأحبَّتْ، وماتت"!
هنا رقدت وهنا تبلى عظامها ..ما أفظع الحياة! لقد بللت القبر بدموعي وركعتُ إلى جواره حتى جنَّ الليل ، فأخذتُ أتجول بين القبور ..في مدينة الأموات هائما على وجهي ..ما أصغرها إذا قيست بمدينة الأحياء! ولكن ما أكثر عدد الموتى إذا قيس بعدد الأحياء.
لم يكن ثمة أحد سواي فقبعت تحت شجرة كثيفة الأغصان متعلقا بجذعها ثم أخذتُ أجوب المكان بتؤدة وهدوء حتى لا يسمع وقع قدمي أحد ولكني ضللتُ السبيل ولم أستطع العودة إلى قبرها ..وكنتُ أتعثّر في الأحجار والأشجار وتصطدم يداي وقدماي وركبتاي بلوحات الرخام ويتخبط رأسي وصدري بالقبور ..كان الظلام حالكا فتملكني الخوف..ونال مني الجهد فجلستُ على أحد القبور التي تملأ المكان بيد أني سمعتُ شيئا..ماذا؟ انها ضوضاء ، أم لعلها مجرد أصوات تدوي في رأسي المضطرب؟
وفجأة شعرتُ كأن لوحة الرخام التي كنتُ جالسا عليها تتحرك تحتي ..فوثبتُ من مكاني وانتقلتُ إلى القبر المجاور فإذا بالحجر الذي كنتُ جالسا عليه يتحرك ..يرتفع..ظهر الميت ..كان هيكلا عاريا ..لقد رأيته بوضوح رغم الظلام الحالك ..وعلى الشاهد فوق القبر كُتبت هذه العبارة " هنا يرقد جاك أولفيان..مات في الحادية والخمسين من عمره وكان محبا لأسرته عطوفا نبيلا كريم الخلق ..وقد عاش ومات في حمى ربه ونعمته"..أخذ الميت يحملق في بمحجرته في ما كتبه الأحياء على قبره ثم تناول قطعة من الصوان وأزال الكتابة ..وشرع في نقش عبارة أخرى في مكانها برأس العظمة الباقية من اصبعه وما كاد يفرغ حتى ظهرت حروفها أمام عيني كالنار،فقرأتُ هذه العبارة"هنا يستريح جاك أولفيان..فارق الحياة في الواحد والخمسين من عمره بعد أن عجّل بموت والده ليرثه وعذب زوجته وقسا على أطفاله وخدع جيرانه ونهب كل ما استطاع نهبه ومات تعيسا"..
ثم وقف صامتا كالحجر يتأمل ما كتب ..وتلفتُ حولي فإذا القبور كلها قد فتحت وخرج منها أصحابها يمحون الأكاذيب ويثبتون الحقائق فتبين لي أن بين هؤلاء الموتى لصوصا وقطاع طرق ومجرمين وخبثاء ومنافقين ..ولكن أهليهم خلعوا عليهم صفات الملائكة فكنتُ أقرأ ان هذا كان أبا رحيما وهذه كانت زوجة وفية وتلك عذراء طاهرة وهذا خدم الانسانية أجل لقد استيقظ الموتى جميعا وأخذوا يكتبون في آن واحد على ألواح الرخام الحقائق المرة التي كان يجهلها الجميع أو يتجاهلونها!
وهنا تذكرتُ شيئا فأطلقتُ ساقي للريح ..نعم لعلها هي أيضا ..حبيبتي كسائر الموتى كتبت عبارة جديدة على قبرها ..وطفقتُ أعدو وسط الأكفان والهياكل العظيمة ، حتى وجدتها ..هاهي وهذا وجهها ..أما العبارة الأولى " أحبَّتْ وأحبَّتْ وماتتْ " فقد قرأتُ مكانها العبارة التالية "خرجت وخانت وماتت "
"خرجت ذات ليلة ممطرة وخانت حبيبها فأصيبت ببرد شديد وماتت"..!
المزيد...

4/28/2011

المخدرات والمباضع




الكاتب: جبران خليل جبران

يطلب الشرقيون من الكاتب أن يكون كالنحلة التي تطوف مرفرفة في الحقول جامعة حلاوة الأزهار لتصنع منها أقراصاً من العسل.

إن الشرقيين يحبون العسل ولا يستطيبون سواه مأكلا. وقد أفرطوا بالتهامه حتى تحولت نفوسهم إلى عسل تسيل أمام النار ولا تتجمد إلا إذا وُضِعت على الثلج.

ويطلب الشرقيون من الشاعر أن يحرق نفسه بخوراً أمام سلاطينهم وحكامهم وبطاركتهم. وقد تلبد فضاء الشرق بغيوم البخور المتصاعد من جوانب العروش والمذابح والمقابر ولكنهم لا يكتفون. ففي أيامنا هذه مدّاحون يضارعون المتنبي، وراثون يضاهون الخنساء، ومهنئون أكثر طلاوةً من صفيّ الدين الحلي.

ويطلب الشرقيون من العالـِم أن يبحث في تاريخ آبائهم وجدودهم، متعمقاً بدرس آثارهم وعوائدهم واشتقاقات ألفاظهم ومباني معانيهم وبيانهم وبديعهم.

ويطلب الشرقيون من المفكر أن يعيد على مسامعهم ما قاله بيدبا وابن رشد وافرام السرياني ويوحنا الدمشقي، وان لا يتعدى بكتاباته حدود الوعظ البليد والإرشاد السقيم وما يجيء بينهما من الحِكم والآيات التي إذا ما تمشى عليها الفرد كانت حياته كالأعشاب الضئيلة التي تنبت في الظل ونفسه كالماء الفاتر الممزوج بقليل من الأفيون.

وبالاختصار فالشرقيون يعيشون في مسرح الماضي الغابر ويميلون الى الأمور السلبية المسلية المفكهة ويكرهون المبادئ والتعاليم الإيجابية المجردة التي تلسعهم وتـنبههم من رقادهم العميق المغمور بالأحلام الهادئة.


*****


إنما الشرق مريض قد تناوبته العلل وتداولته الأوبئة حتى تعوَّد السقم وألف الألم وأصبح ينظر إلى أوصابه وأوجاعه كالصفات الطبيعية بل كخلال حسنة ترافق الأرواح النبيلة والأجساد الصحيحة فمن كان خاليا منها عد ناقصاً محروماً من المواهب والكمالات العلوية.

وأطباء الشرق كثيرون يلازمون مضجعه ويتآمرون في شأنه ولكنهم لا يداوونه بغير المخدرات الوقتية التي تطيل زمن العلة ولا تبرئها.

أما تلك المخدرات المعنوية فكثيرة الأنواع متعددة الأشكال متباينة الألوان. وقد تولـَّد بعضها عن بعض مثلما تناسخت الأمراض والعاهات بعضها عن بعض .وكلما ظهر في الشرق مرض جديد يكتشف له أطباء الشرق مخدراً جديداً.

وأما الأسباب التي آلت إلى وجود المخدرات فعديدة، أهمها استسلام العليل إلى فلسفة القضاء والقدر المشهورة، وجبانة الأطباء وخوفهم من تهييج الألم الذي تحدثه الأدوية الناجعة.

وإليك أمثلة من تلك المخدرات والمسكنات التي يتخذها الأطباء لمعالجة الأمراض العائلية والوطنية والدينية.

ينفر الرجل من زوجته والمرأة من بعلها لأسباب حيوية فيتخاصمان ويتضاربان ويتباعدان، ولكن لا يمر يوم وليلة حتى يجتمع أهل الرجل بأهل زوجته فيتبادلوا الآراء المزخرفة والأفكار المرصعة ثم يتفقوا على إيجاد السلام بين الزوجين، فيأتون بالمرأة ويستهوون عواطفها بالمواعظ الملفقة التي تخجلها ولا تقنعها، ثم يستدعون الرجل ويغمرون رأسه بالأقوال والأمثال المزركشة التي تلين أفكاره ولا تغيرها. وهكذا يتم الصلح - الصلح الوقتي- بين الزوجين المتنافرين بالروح فيعودان قهراً عن إرادتهما الى السكنى تحت سقف واحد حتى "يبوخ" الطلاء ويزول تأثير المخدر الذي استخدمه الأهل والأنسباء فيعود الرجل الى إظهار نفوره ومقته والمرأة الى إزالة النقاب عن تعاستها. غير أن الذين أوجدوا الصلح في المرة الأولى يوجدونه ثانية، ومن يرتشف جرعة من المخدرات لا يأبى شرب كاس دهاق.

يتمرد قوم على حكومة جائرة أو على نظام قديم فيؤلفون جمعية إصلاحية ترمي إلى النهوض والانعتاق فيخطبون بشجاعة ويكتبون بحماسة وينشرون اللوائح والبرامج ويبعثون الوفود والممثلين، ولكن لا يمر شهر أو شهرين حتى نسمع بأن الحكومة قد سجنت رئيس الجمعية أو عهدت إليه بوظيفة. أما الجمعية الإصلاحية فلا نعود نسمع عنها شيئا لأن أفرادها قد تجرعوا قليلاً من المخدرات المعهودة وعادوا الى السكينة والاستسلام.

تتمرد طائفة على رئيس دينها لأمور أولية فتنقد شخصه وتنكر أعماله وتتبرم من مآتيه ثم تهدده باعتناقها مذهباً آخر أقرب إلى العقل وأبعد عن الأوهام والخرافات. ولكن لا يمر ردح من الزمن حتى تسمع بأن عقلاء البلاد قد أزالوا الخلاف بين الراعي ورعيته وأرجعوا بفضل المخدرات السحرية الهيبة إلى شخص الرئيس والطاعة العمياء إلى نفوس المرؤوسين العقوقين!

يتظلم مغلوب ضعيف من ظالم قوي فيقول جاره: اسكت فالعين التي تعاند السهم تفقأ.

يشك القروي بتقى الرهبان وإخلاصهم فيقول له زميله: اصمت فقد جاء في الكتاب: اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم.

يعرض التلميذ عن استظهار مباحث البصريين والكوفيين اللغوية فيقول له أستاذه: إن الكسالى والمتوانين يختلقون لنفوسهم أعذاراً أقبح من الذنوب.

تمتـنع الصبية عن اتباع عوائد العجائز فتقول لها والدتها: ليست الابنة افضل من أمها فالطريق التي سلكتـُها تسلكينها أنت أيضا.

يسأل الشاب مستفسراً معاني الزوائد الدينية فيقول له الكاهن: من لا ينظر بعين الإيمان لا يرى في هذا العالم سوى الضباب والدخان.

وهكذا تمر الأيام إثر الليالي، والشرقي مضطجع على فراشه الناعم، يستيقظ دقيقة عندما تلسعه البراغيث، ثم يعود ويهجع جيلاً بحكم المخدرات التي تمازج دمه وتسير في عروقه. فإذا ما قام رجل وصرخ بالنائمين وملأ منازلهم ومعابدهم ومحاكمهم بالضجيج يفتحون أجفانهم المطبقة بالنعاس الأبدي ثم يقولون متثائبين: ما أخشنه فتىً لا ينام ولا يدع الناس ينامون! ثم يغمضون عيونهم ويهمسون في آذان أرواحهم: هو كافر ملحد يفسد أخلاق الناشئة ويهدم مباني الأجيال ويرشق الإنسانية بالسهام السامة.

قد سألت نفسي مرات ما إذا كنت من المستيقظين المتمردين الذين يأبون شرب المخدرات والمسكنات، فكانت نفسي تجيبني بكلمات مبهمة ملتبسة، ولكنني لما سمعت الناس يجدفون على اسمي ويتأففون من مبادئي أيقنت بحقيقة يقظتي وعلمت أنني لست من المستسلمين إلى الأحلام اللذيذة والخيالات المستحبة، بل من أولئك المستوحدين الذين تسيّرهم الحياة على سبل ضيقة مغروسة بالأشواك والأزهار محفوفة بالذئاب الخاطفة والبلابل المترنمة.

ولو كانت اليقظة فضيلة لمنعني الاحتشام عن ادعائها، ولكنها ليست بفضيلة بل حقيقة غريبة تظهر على حين غفلة للأفراد المستوحدين وتسير أمامهم فيتبعونها قسر إرادتهم مجذوبين بأسلاكها الخفية محدقين الى معانيها المهيبة.

وعندي أن الاحتشام في إظهار الحقائق الشخصية هو نوع من الرياء الأبيض المعروف عند الشرقيين باسم التهذيب.

غدا يقرأ الأدباء المفكرون ما تقدم فيقولون متضجرين: هو متطرف ينظر إلى الحياة من الوجهة المظلمة فلا يرى غير الظلام، وطالما وقف فينا نادباً نائحاً باكياً علينا متأوهاً لحالنا.

فلهؤلاء الأدباء المفكرين أقول: أنا اندب الشرق لأن الرقص أمام نعش الميت جنون مطبق.

أنا أبكي على الشرقيين لأن الضحك على الأمراض جهل مركب.

أنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة لأن الغناء أمام المصيبة العمياء غباوة عمياء.

أنا متطرف لأن من يعتدل بإظهار الحق يبـيّن نصف الحق ويبقي نصفه الآخر محجوباً وراء خوفه من ظنون الناس وتقولاتهم.

أنا أرى الجيفة المنتنة فتشمئز نفسي وتضطرب أحشائي ولا استطيع أن أجلس قبالتها وفي يميني كأس من الشراب وفي شمالي قطعة من الحلوى.

فإن كان هناك من يريد أن يبدّل نوحي بالضحك ويحوّل اشمئزازي إلى الانعطاف وتطرفي إلى الاعتدال فعليه أن يُريني بين الشرقيين حاكماً عادلاً ومتشرعا ً مستقيماً ورئيس دين يعمل بما يعلم وزوجاً ينظر إلى زوجته بالعين التي يرى بها نفسه.

إن كان هناك من يريد أن يشاهدني راقصاً ويسمعني مطبلاً ومزمراً فعليه أن يدعوني الى بيت العريس لا أن يوقفني بين المقابر.




(المصدر: جبران خليل جبران: العـواصف. 1918: ص 45-50)

المزيد...

4/30/2009

السن المكسورة

تأليف: بيردو ايمييلوكول (فنزويلا)
ترجمة : الدكتور حسين جمعة

عندما كان خوان بينيا في الثانية عشرة، تلقى لكمة على صدغه في عراك ما. سال دمه على ذقنه، فأزال الاوساخ العالقة بوجهه، وكسرت احدى اسنانه، مكونة ما يشبه المنشار.ومن تاريخ هذا الحادث بدأ العصر الذهبي لخوان بينيا. لم يتوقف خوان عن ملامسة سنه المكسورة برأس لسانه، وانغمس بكليته في هذا الشغل المهم ولم يتحرك تقريبا. كانت نظرته شاردة، ولم تدُر في رأسه اية افكار. وهكذا تحول هذا الطفل المشاكس الى طفل هادئ صامت.

استغرب والدا خوان الامر؛ فكم ضاقا ذرعا به شكوى الجيران والمارة – ضحايا نزوات الشيطان المصوّر الذي نال جزاءه اكثر من مرة، وما اكثر ما عوقب، وها هو ذا ... ولقد ازعج هذا التبدل المفاجئ والدي خوان. فالصبي يلوذ بالصمت طيلة الوقت ويتصرف تصرفا لائقا جدا. وكان يقضي ساعات طويلة وهو يداعب في ظلام فمه المغلق سنه المكسورة بلسانه، وكأنه في حالة استغراق روحية، ولم يكن في رأسه آن ذاك اية افكار.

توجهت الام لزوجها مؤكدة:
- الولد مريض يا بابلو، يجب ان نستدعي الطبيب.
وصل الطبيب وكان حاداً ومتعجرفاً، وشرع في معاينة الصبي، ولكنه لم يعثر على اية اعراض للمرض، النبض جيد والخدود متوردة، والشهية رائعة.
وقال بعد فحص طويل:
- سينيور. ان قدسية مهنتي تجبرني ان اعلن لكم ...
- ماذا في الامر ايها الطبيب؟ سألت الام متخوفة.
- .... ان ابنكم معفى تماما. ولكن ثمة شيئا ما لا جدال فيه، وهنا خفض الطبيب من صوته – اننا امام حالة شاذة، ان ولدكم يعاني مما نسميه، نحن الاطباء، بمرض الفكر. بايجاز ان ابنكم فيلسوف نضج مبكرا، بلى انه عبقري.

اما خوان فكان يداعب سنه المكسورة، ولم تكن تدور في رأسه اية افكار. قابل الوالدان تشخيص الطبيب بدهشة صامتة، وتلقف الاهل والاصدقاء هذا النبأ ، وأشاعوه في كل مكان. وبسرعة اخذت المدينة كلها تتحدث عن "الطفل الاعجوبة" الذي انتشرت شهرته كرغوة الصابون، حتى ان معلم المدرسة الذي كان يعتبر خوان غبيا كسدادة الفلين، اضطر الى الاذعان للرأي العام – لأن صوت الشعب من صوت الله – وبحث الجميع بكل طاقاتهم عن حالات مشابهة واستذكروا عددا من الحوادث، فقالوا لقد كان ديموسفين يلوك الحصى في فمه، وشكسبير مخادعا في اسمال بالية، واديسون .... وما الى ذلك.

وكبر خوان بينما كان يجلس امام الكتب ويحدق في صفحاتها المفتوحة ولايقرأ شيئا، لقد كان مشغولا بما يعمله لسانه الذي يداعب المنشار الصغير لسنه المكسورة. ولم تكن تدور في ذهنه اية افكار. واصبح خوان رجلا ونمت الى جانب جسده شهرته كرجل حكيم، ولم يتوقف احد عن التغني بموهبة خوان الغير عادية. وما ان بلغ خوان ذروة قوته، حتى سعت اليه اجمل النساء للتغرير به، لقد تصورنه مخلوقا ساميا منصرفا الى التأمل العميق.

و كان هو في ذلك الوقت يداعب بلسانه سنه المكسورة، ولم تكن تدور في خلده اية افكار.

ومرت الشهور والسنون واصبح خوان نائبا في البرلمان، ومن ثم استاذا جامعيا وبعد ذلك وزيرا، وكاد ان يصبح رئيسا للجمهورية ، الا ان الجلطة عاجلت خوان وهو يداعب برأس لسانه سنه المكسورة.

دقت الاجراس واعلن الحداد الوطني العام. وذرف الخطباء، المكلفون باسم الوطن، الدموع على قبر خوان، وهم يلقون بكلمات الرثاءالتأبينية، ووضعت الزهور الضخمة على ضريح الرجل العظيم الذي لم يجد طيلة حياته اي فسحة من الوقت لاي تفكير كان.
المزيد...

7/08/2008

ارفعوا أقلامكم عنها قليلا


الشاعر أحمد مطر:

ارفعوا أقلامكم عنها قليلاً
واملئوا أفواهكم صمتًا طويلاً
لا تجيبوا دعوة القدس ..
ولو بالهمس
كي لا تسلبوا أطفالها الموت النبيلا
دونكم هذه الفضائيات
فاستوفوا بها "غادر أو عاد"
وبوسوا بعضكم ..
وارتشفوا قالاً وقيلاَ
ثم عودوا ..
واتركوا القدس لمولاها .
فما أعظم بلواها
إذا فرت من الباغي .
لكي تلقى الوكيلا !
طفح الكيل .. وقد آن لكم
أن تسمعوا قولاً ثقيلاً
نحن لا نجهل من أنتم ..
غسلناكم جميعًا
وعصرناكم .. وجففنا الغسيلا
إننا لسنا نرى مغتصب القدس ..
يهوديًا دخيلاً
فهو لم يقطع لنا شبرًا من الأوطان
لو لم تقطعوا من دونه عنا السبيلا
أنتم الأعداء
يا من قد نزعتم صفة الإنسان.
من أعماقنا جيلا ًفجيلا
واغتصبتم أرضنا منا
وكنتم نصف قرن ..
لبلاد العرب محتلاً أصيلاً
أنتم الأعداء
يا شجعان سلم ..
زوجوا الظلم بظلم
وبنوا للوطن المحتل عشرين مثيلاً
أتعدون لنا مؤتمرا ؟
كلا
كفى
شكرًا جزيلاً
لا البيانات ستبني بيننا جسرًا
ولا فتل الإدانات سيجديكم فتيلاً
نحن لا نشري صراخًا بالصواريخ
ولا نبتاع بالسيف صليلاً
نحن لا نبدل بالفرسان أقنانا
ولا نبدل بالخيل الصهيلا
نحن نرجو كل من فيه بقايا خجل ..
أن يستقيلا
نحن لا نسألكم إلا الرحيلا
وعلى رغم القباحات التي خلفتموها
سوف لن ننسى لكم هذا الجميلا
ارحلوا
أم تحسبون الله لم يخلق لنا
عنكم بديلا ؟!
أي إعجاز لديكم؟
هل من الصعب على أي امرئ ..
أن يلبس العار
وأن يصبح للغرب عميلا ؟!
أي إنجاز لديكم ؟
هل من الصعب على القرد
إذا ملك المدفع ..
أن يقتل فيلا ؟!
ما افتخار اللص بالسلب
وما ميزة من يلبد بالدرب ..
ليغتال القتيلا ؟!
احملوا أسلحة الذل وولوا ..
لتروا
كيف نُحيلُ الذلَّ بالأحجار عزًا ..
ونذلُّ المستحيلا

المزيد...

6/25/2008

شتات


تأليف: ابتسام الدمشاوى


(1)
سأل زوجته التى يحبها بجنون: كيف كان اللقاء بينك وبين صديقى هل خرج سعيدا 00 أم سأشعر بالحرج منه كالعادة!

(2)
لم تستعد للقائه مرة واحدة00 كان يضعها فى" البانيو" ويملؤه بالماء والصابون المعطر00 ويتركها طوال اليوم ثم يخرجها00 فلا يستطيع أن يطرد عن أنفه رائحة العفن0

(3)
قالت له من بين دموعها :لماذا تزوجتنى؟ ! قال:لأنى لم أجدغيرك00

(4)
طردته صاحبة المنزل وأسرته من السكن00 ترك زوجته وأطفاله فى الشارع 00و00ركب القطار0

(5)
أراها كل يوم هى والكلاب الضالة تبحث فى صناديق القمامة00وينتهى الأمر بالعراك0

(6)
تخرج فى المساء تبحث عن رجل ملون يطعمها 00وتسقيه00ثم تتقيأ0

(7)
يجرى خلف الفراشات الملونة طوال النهار وحينما يمسك بإحداها 00يطبق يده عليها
فتختنق0
المزيد...

6/23/2008

الخواء

قصة الأديب : خليف محفوظ

حديث العرافة زاد المسألة تعقيدا، و صار موضوع الساعة في المقهى و الحوانيت و المدرسة: الاغتيالات الغامضة الواقعة مؤخرا مردها إلى سخط سيدي لخضر على البلدة، فهو يسلط عليها وحشا أسود يربض بالنواحي، يداهمها ليلا، يتهددها بالفناء. و كانت أحاديث المقهى تلخص لي الفوضى التي أحدثها كلام العرافة:
ـ و ماذا فعلنا حتى يسخط علينا سيدي لخضر؟ إننا نعيش كما كنا منذ قرون، نساعد المحتاج، نخرج العشور، نأوي عابر السبيل، ليس في بلدتنا حانة أو ماخور.
ـ و الله ما يغضبه إلا شطارة أمثالك. إنك تتكلم عن الظاهر، و لكن لا علم لك بما يجري خلف الأبواب ، أو ما يدور في النفوس. إنه يشرف علينا من خلوته و يعلم كل ذلك، و لابد أنه رأى ما يغضبه.
ـ صحيح، و قتله للإمام لم يكن خبط عشواء، لطالما سمعتم ذلكم الإمام يعرض بأوليائنا الصالحين.
ـ و السعيد المسكين ابن حمودة جابر العظام ماذا فعل؟
ـ الله يعلم هو الآخر ماذا كنا نجهل عنه.
ـ الرأي ما أشارت به "لالة كلثوم"، يجب إرضاء سيدي لخضر بزردة كبيرة و في أقرب وقت.

************************

و جاء مساء الخميس الموعود. البلدة مدعوة للخروج إلى الزردة، الدعوة شبه إجبارية، لا أحد يتخلف في بيته، الكل يشهد الحضرة و يبتهل إليه لعله يرفع غضبه و يمسك وحشه. و المتخلف عن الموعد عاق مارق، يتعرض لعقوبة الجماعة بالنبذ و العزلة إلى أن يهجر البلدة أو يتوب.
و تحركت البلدة عن بكرة أبيها، يلبسون أزهى ما لديهم، يغلقون بيوتهم و يأخذون طريقهم إلى الخلوة في قلب الجبل.
وقفت مع عمر إلى النافذة، رأينا الدروب تصعد إلى الخلوة حافلة بسلاسل بشرية لا تنقطع. بدا المشهد أخاذا بثياب القرويات ذات الألوان البراقة، الأحمر على الأصفر على الأبيض على خضرة الجبل على لازورد السماء و البحر ، في حين كانت نقرات الدف و نغمات الزرنة تتناهى إلينا متنائية متلاشية.
ـ يا له من صعود مثير إلى خلوة سيدك لخضر!
ـ إنه الصعود إلى ما فوق الواقع، إلى المطهر من أوحال الدنيا و النفس.
ـ إن كان هناك ما يتطهرون منه فهو هذه الخرافات المعششة في أذهانهم.
ثم و هو يضحك:
ـ أتراهم يتوصلون إلى اتفاق مع سيدك لخضر فيمسك عنهم كلبه و يدعهم يتفرغون لأشغالهم ؟
لم أبال باستفزازه، فهو يعتقد أني خرافي مثلهم و أن دخولي الجامعة لم يفدني شيئا، فقلت ممعنا في إغاظته:
ـ احفظ لسانك قبل أن يمسخك ثعلبا ثم يسلطك على دجاج القرية.
و قذفته بمعطفه:
ـ خذه معك، سيبرد الطقس في الليل، و لن يكون لنا فراش ننام فيه.
ـ و من قال لك إني ذاهب معك إلى تلك المهزلة؟!
ـ و لكنهم سيعتبرون ذلك تعاليا منك و استخفافا بهم، و قد شرحت لك عرف الجماعة.
ـ عرف الجماعة! قد يلغيه سيدهم لخضرهذا المساء.
ـ هيا نذهب على سبيل الفرجة.
ـ لدي ما يشغلني هنا.
لم ألح عليه أكثر.
حملت معطفي، و تسمّت طريقي إلى الخلوة. كنت مجذوبا إلى الخلوة بقوة خفية، نداء الطفولة الضائعة في دهاليزي أيام كانت جدتي تصطحبني إلى وعدة سيدي معمر، تدفعني من خلف الستار إلى كبراء الحضرة ليمسحوا على رأسي و يدعوا لي بالنجاح، وجه العرافة كلثوم ذو الثلالة البارزة في ذقنها كزبيبة سوداء تحيط بها شعيرات طويلة مسبسبة كعرف الحية، تقرأصحن حنائها على وجوه القرية العائذين بها تكشف لهم قاتل الإمام و ابن الشيخ حمودة... أرى في ما أرى سوادا مقبلا، و حشا أغبر، يجوس القرية يفسد الزرع و الضرع، يطلع عليكم من البر و البحر...
و لاحت لي البطحاء منبسطة كالسرير في حضن الجبل، ينتصب فيها ضريح سيدي لخضر ناصع البياض تعلوه راية خضراء، يغرق في الصنوبر و السرو ، إلى جانبه نصبت خيمة لكبراء البلدة ، و على المدخل علق إزار اجتمعت خلفه النسوة، و انتشر الأطفال و الرجال ، تبعثروا في المكان، في الظل، على الأغصان، فوق الصخور الملساء. عج المكان بالحركة و الألوان، و طفح البشر في الوجوه المطمئنة إلى عناية سيدي لخضر.
كانت روحي تضج بروائح الغابة، بالصمغ السائل، و الأوراق المتحللة، و الزهور البرية ممزوجة بعطر الطفولة. كأني ماأزال أمسك بثوب جدتي و هي تشق بي الجموع، تلاحقني بوصاياها: لا تتلفظ بقول السوء، إنه يسمعك ، ابق بجواري سأدخلك إلى الحضرة ليدعوا لك بالنجاح ، انظر إلى هذه الصخرة حيث ترتسم الحوافر ، إنه حوافر حصان سيدنا علي حين مر من هنا يجاهد الكفار...
و أنهى المكلفون بذبح القرابين مهمتهم، و نشروا الجلود فوق الصخور ، سبعة كباش و عجل أسود.
و نشطت النسوة يعددن العشاء الكبير فانتشرت رائحة المقلي و المشوي و دسم المرق و فوران الكسكس فوق القدور الضخمة تختلط بالمدائح و بخار الجاوي و هرج الصبية، و المساء يخيم على مهل تحدوه ريح رخاء، و سيدي لخضر يبسط رضاه على الجميع، و القلوب خالصة النية تتفادى إغضابه بما قد يراودها من وساوس، فلانت الأفعال و طابت الأقوال، فلاتسمع إلاّ همسا و قولا كريما.
و نادى مناد بعد صلاة المغرب جماعة في البطحاء:
ـ تحلقوا عشرة، عشرة يرحمكم الله.
و شغل المولد الكهربائي فأزهر الضريح بالأنوار، و نشط الخدم المتطوعون يهرولون بجفون الكسكس المكللة بأطراف اللحم إلى الحلقات المنتشرة كمخيم عسكري. أما أعيان البلدة و كبراؤها فكان عشاؤهم في الخيمة الكبيرة من كبد العجل الأسود، أما أكباد الكباش فللنساء الحوامل فلا يلدن إلاّ مباركا موسوما بعناية سيدي لخضر.
بعد العشاء اتجه موكب النساء إلى مغارة الخلوة فأوقدن الشموع، ثم دقت طبول الحضرة تعلن بداية ليل طويل ، تهليل و رقص و سحق للجسد حتي يطلق إسار الروح فتعرج إلى العوالم الرحبة... تدفق الطبل يهز جذور الغابة، و ناحت أشواق التعساء إلى الخلاص ، تدفقوا في الرحبة يرفسون، يتضورون.و كأني أشد ثوب جدتي أتطلع ذاهلا إلى الشيخ حمودة المنكوب، حاسر الرأس، طويل الوجه ،ذاهل العينين ، يلف حول نفسه في حركة لولبية تعتصر من أعماقه زمازم ودمادم تقذف على ساحل الشدقين رذاذا وزبدا . وإذ بلغ ذروة الهيجان جيء له بسفودين أطفأهما في فمه ليخر هامدا فيسحب إلى ناحية ويدثر .
وكانت نار مزهرة أشرف عليها متطوعون يحمون في لهيبها المناجل و المشاهب . و تساقطوا كثيرا، تعالت آهاتهم تهتك حدود الصبر ، بينما المشاهب و المناجل في غدو و رواح بين النار و الرحبة.
ودخلت النسوة يحللن شعورهن ، لا أحد منتبه لأحد ، كل انتظم في مداره يرفس في تيه وجوده ، يسحق الجسد و يمحقه . و أطل نهد صبية كانت في شغل عنه ، في حركة جذب دائري يقودها شعرها المسترسل . و كان النهد يتحرر ، ينطلق غير آبه بأحد ، فإذا ألقت رأسها إلى الوراء طفر يعانق السماء ، و إذا تأود الخصر تراجع متحفزا كرأس الهر.
حينما خر النهد صريعا افتقدت أثر جدتي ، كان الليل قد أوغل فتداخلت الشارات و صارت الرموز تتذبذب أمام ناظري ، فكأني تحت شجرة ضرو متوسدا حذائي ضائعا في غربتي و خوائي ، يتدفق في سمعي ممزوجا بندى الليل و دخان المشاهب و صور الصرعى دوي الطبل يعربد على إيقاعه النهد الطروب معلنا تمرده على البلدة ، يبشر بالثورة على القمع و التبخيس ، ينتصب في وجهي . و أمد يدي فتصدها السفافيد.
- أأنت هنا يا أستاذ ؟! كنت على يقين أني سألقاك هنا ، إنك تسايرهم في خرافاتهم ، وهم لا يفتأون يثنون عليك ، أنت علمتنا أن نجهر بآرائنا ، فما حضورك و تكورك تحت تحت هذه الضروية ؟ أكنت تخاف أن يعاقبوك بالعزلة و النبذ ؟ لن تعدم من يقف إلى جانبك ، سأبدد عزلتك ، أنا تلميذتك ، ألم تعرفني ؟! لقد تفجرت ينابيعي ، انظر إلى بساتيني ، رماني و كرزي ، وردي و خمائلي ، أنا زهرة الحياة يبغون إذواءها ، ما جئت هنا إلا لأعبر مثلهم ، لكن ليس عما يعبرون ، إنهم ينشدون الفناء في سيدي لخضر ثم يسقطون صرعى مكبوتاتهم ، و أنا أنشد الخصب و النماء ، مزقت طوق صدري و أنا في تمام وعيي ، ثم رفعت إليه نهدي ، نبع الحياة الذي يريدون طمسه ، قم ندخل إلى الرحبة و نعبر ، سأقودك ، لا تتعثر ،،، انظر ،،، ما تزال الرحبة تعج ، و الطبل يدوي ، و الصرعى يتساقطون ، ،، هنا وسط الرحبة، لا أحد في وعيه ، كل يسبح في محيطات لا وعيه، هيا ، في قمة وعينا سيتدفق نهر الحياة في حضرة سيدي لخضر...

*******************************

في الصباح لم يعد رأسي المثقل بصخب الطبل قادر ا على التمييز خيل إلي أن ما عشته البارحة كان سفرا غريبا في الزمن السحيق، لكن المؤكد عندي أن الجموع تفرقت وهي مطمئنة إلى رضا سيدي لخضر الذي سيمسك عنها وحشه. و بينما كنا نقترب من البلدة في أرتال معوجة سرت في الصفوف الأمامية همهمة تحولت إلى لغط و ذعر، ثم إلى كلمة تنتقل من فم إلى أذن:" قتيل آخر في الساحة المركزية للبلدة ." و اندفعنا نتدفق في الساحة، كان المشهد مروعا: صديقي الطبيب عمر مشنوق بحبل على تمثال الحرية وسط الساحة ، العنق ملوية، العينان جاحظتان ، الأطراف تتدلى. ساد صمت مطبق، وجم الناس، العيون وحدها كانت تتكلم: هذا الذي تخلف عن حضور الزردة، أراد أن ينكر سلطان سيدي لخضر فجاء البرهان سريعا. رأيت العيون ترجمه وهو معلق، لا أحد يمد يده ليفك عنه الحبل. أخذوا ينسلون إلى بيوتهم في صمت و يغلقون عليهم الأبواب. وبقيت وحدي أحدق فيه معلقا بين جدتي و تلميذتي.
المزيد...

6/21/2008

مؤتمر الشرفاء


تأليف: هاريشانكار بارسائي (الهند)
ترجمة: الدكتور حسين جمعة

اقسم بالله انني لست مذنبا في اي شيء !لم افعل شيئا استحق من جرائه ان ادرج في قائمة المواطنين الشرفاء. ولا اعرف شخصيا ما الذي عنّ ببالهم عندما تسلمت ذات مرة رسالة تقول:

ينعقد في مدينتنا مؤتمر لبحث قضايا الشرف. نحن نعلم انك مواطن شريف من مواطني البلد. نرجو منك ان تفتتح المؤتمر، وتتلو كلمة المؤتمرين التي ستتبعها ندوة لمدة اسبوعين. نأمل ان نحظى على موافقتكم الكريمة على رئاسة الجلسة في اليوم الأول والمشاركة في النقاش في اليوم الثاني.

المواصلات مؤمنة في كلا الاتجاهين في عربة الدرجة الاولى ، وكذلك المأكل والسكن في افضل الفنادق.

انك تعلم بانه تجري في بلدنا في الوقت الراهن تحولات اجتماعية عميقة ، وهذا يجعل مهمة تربية الوعي والكرامة بين مواطنينا مسألة في غاية الأهمية والتوقيت مما يعطي المؤتمر دلالة وطنية شاملة على مستوى الدولة . ان مساهمتكم في اعمال المؤتمر تلهم مواطنينا الشرفاء، وكل من يحدوه الامل في ان يصبح كذلك في المستقبل القريب.)

هكذا وقعت في هذه المجموعة ولم اكن ارغب في ذلك. لكن ما دام الامر على هذه الشاكلة فلأسافر، مع ان مسألة الشرف هذه لم تؤرقني قط. وأقول الحق انني ابصق عليها.

لكنني وازنت الامر : اسافر في الدرجة الثانية ، واقبض ثمن الأولى – فأضع مئة و خمسين روبية في جيبي. اتناول طعام الافطار والغداء والشاي لمدة ثلاثة ايام مجانا. فأوفر حوالي ثلاثين روبية. وبذلك يكون لدي مئة وثمانون روبية عدا ونقدا. يقول قائل: هذه وسيلة غير شريفة ؟ لكن ليس عبثا ان اعترفوا بي مواطنا شريفا على المستوى الوطني! إن مثل هذا الشخص يجب ان يكون قادرا على الصيد. والا فانه لا يساوي شروى نقير.

في محطة القطار كان الاحتفاء بوصولي باذخا. انهالت علي باقات الزهر المتنوعة التي زادت على العشر. ( من المؤسف – ان لا يوجد بائع زهور على مقربة مني ، لأبيعه هذه البضاعة) هذا ما فكرت به.

اقمت في غرفة واسعة ضخمة، يوجد فيها ثلاثة اسرة. وعلى التو وضع منظمو المؤتمر قفلا كبيرا على الباب ، وهل يمكن الاعتماد على موظفي الفندق ؟

كان المؤتمر غاصا بالشرفاء ، والشريف الحق يتعين عليه ان يأخذ حذره من المؤتمرين الآخرين.

على يسار غرفتي وقبالتي على امتداد ممرين عاش اكثر من ثلاثين مندوبا ، وضعو معي في الغرفة اثنين من الزملاء على السريرين الفارغين. كيف تضع القفل هنا ، وانت لست وحيدا !؟ ليس في ذلك ضرورة لأن جميع من توافدو الى المؤتمر هم من الشرفاء. ان اللصوص انفسهم عندما يلتقون في مؤتمر لهم لا يمكن ان يغلق اي واحد منهم باب غرفته، وقد كانت لي تجربة شخصية في هذا المضمار واقتنعت بنفسي من ذلك.

كان الافتتاح مهيبا للغاية ألقيت كلمة امتدت ساعة كاملة، كلمة جيدة ، مازلت استحي على تذكرها.

بعد الجلسة شرع الجميع بالانصراف. كنت ضيفا عزيزا. احاط بي الناس من كل جانب راغبين بالحديث معي . وما ان تحررت منهم حتى انطلقت الى المخرج ابحث عن حذائي – لكن لم اعثر على شيء. كان حذاء جيدا وجديدا. لم يتبق في القاعة سوى زوج حذاء قديم جدا. ولم يكن هناك من مخرج سوى تثبيته في قدميّ. شاهد الناس ذلك، وسرَت الإشاعات. دلف إلى غرفتي احد المندوبين وهو يقول :

- سمعت ان احدهم قد لبس حذاءك؟

أجبته:

- نعم في مثل هذا الزحام يختلط الحابل بالنابل.

تطلعت فوجدت حذائي في قدميه. وهو ينظر الى رجليّ. تعرفت طبعا على حذاء إلا انني لم اعر ذلك اي اهتمام.

قال بكل ثقة:

- استمع الي ، لا ينبغي لك ان تخلع فردتي حذائك وتضعهما معا في مكان واحد. عندما تخلع فردة ابتعد عشرة اقدام وضع الفردة الأخرى. بهذا لا يقوم بسرقتها احد، كن مطمئنا. اما ان تضع الفردتين معا فان اي واحد يمكن ان يلبسهما. انا هكذا اتصرف.

احدّق في عينيه ولا اجد اي اثر . يجلس وحذائي في قدميه ويلقنني دروسا. قلت له:

- لا بأس، سأشتري غذا حذاء جديدا. وأنا مسرور ان حذاءك لم يمسه احد! واكتشفت في المساء ان احد الشراشف قد فقد. اخبرت منظمي المؤتمر.

- من الممكن ان يكون قد اودع للغسيل. سيحضرون شرشفا جديدا، لكنهم لم يحضروا شيئا. و في اليوم التالي بدأت الندوة، كانت موضوعاتها شائقة جدا:

• الشرف في المنظور التاريخي.
• الشرف والواجب.
• جمالية اللاشرف.
• الشرف في المرحلة الراهنة.

كان مستوى المداخلات عليا جدا، لا سيما في موضوع "جماليات اللاشرف"، و أشار المشاركون في الندوة بارتياح الى ضرورة مناقشة هذا الجانب في مثل هذا المؤتمر، اذ من الممكن ان تضاف ثروة جديدة الى هذه المسألة.

وما ان عدت الى الفندق في مساء ذلك اليوم حتى وجدت ان شرشفين آخرين قد اختفيا. وهكذا فان ثلاثة شراشف اصبحت مفقودة. وفي هذه الأثناء كان المندوبون بتوافدون الي، وكلهم يضجون بالشكوى:

- لا يوجد في مدينتنا فرع "لجمعية المواطنين الشرفاء". اننا جئنا على نفقتنا الخاصة. اخذ اعضاء اللجنة التنظيمية من كل واحد منا عشر روبيات مقابل السماح لنا بالمشاركة في اعمال المؤتمر، وصوتنا استشاري فقط. لا يوجد اي حق مكتسب لنا.

- كيف! بدون اية حقوق؟ اعترضت قائلا: لكم الحق في الأكل والمناقشة مجانا طوال ثلاثة ايام. ولكم الحق في الاشتراك في الانتخابات. حاولوا ان تحصلو على عضوية سكرتاريا او نيابة في المؤتر. أو في أسوء الحالات أن تكونو أعضاء في اللجنة التنفيذية. أقطعتم كل هذه المسافات بلا ثمن؟

التقينا في اليوم الثاني في الاجتماع، اردت ان اضع نظاراتي على على عيني لوقايتها من الشمس، الا انني لم اجدها. لقد كانت معي قبيل ذلك.

تحدثت لواحد تلو الآخر عن هذا. وسرت إشاعات وسمعت ضجة في الغرفة المجاورة – لقد سرقت حقيبة يد أحد المندوبين.

تساءلت قائلا:

- هل يوجد فيها فلوس؟

كان الجواب:

- كلا، لا يوجد سوى وثائق.

قلت:

- سيعثرون عليها.

ذهبت الى الجلسة بدون نظارات. لما كنت اتناول الشاي في فترة الاستراحة، التف المندبون حولي، وهم يبدون تعاطفهم تجاهي، اقترب مني رجل وجيه قائلا:

- الى اي مدى وصل الانحطاط، الكل ينهب! ايعقل ان تضيع نظاراتك!

هل كان يضع نظارات على عينيه قبيل ذلك، كما اذكر، لم يكن لديه نظارات.انظر فأرى، نظاراتي فوق انفه في اطاراها السميك الاسود. وهو يجلس امامي وكأن شيء لم يحدث.

تساءل الرجل:

- لماذا لم تلبس نظارتك أمس؟

- من يلبس نظارات في المساء عندما يكون ضوء القمر مشعا؟ لقد تركتهما في الغرفة فوق الطاولة.

استطرد الرجل قائلا:

- يبدو ان احدهم قد سرقها، احدق في وجهه بعناد ، وهو يجلس ونظاراتي فوق أنفه، ولا يهتز له شنب، يبدو انه اجتاز بنجاح ندوة جماليات اللاشرف.

شكرا لمنظمي المؤتمر – فقد اشترو لي نظارة جديدة. في اليوم الثالث عند المساء ارتفعت درجة حرارتي ، وبدأت ارتعش، اخذت أروح وأجيء في الغرفة وأنا افكر: يجب ان اجد الحرام الصوفي، الا انني لم اعثر في اغراضي عليه. تعالت الضجة. وجاء رئيس اللجنة التنظيمية بنفسه وبدأ يسائل النشطاء ويأمر:

- انت الحارس هنا: وينهبون امام انفك، وأنت تخفي أذنيك! أولا تعلم ما هو مؤتمرنا؟ تنتشر الإشاعات – ولا تستطيع ان تحتمي من النار والشتاء.

وتساءل النشطاء لتبرير ما يحدث:

- ماذا يمكن ان نفعل؟ المندبون المحترمون يدخلون ويخرجون متى شاءوا، نمنعهم؟ وهل نستطيع ان نمنعهم؟

استاء الرئيس جدا. وقال:

- سأستدعي البوليس، ليقوم بحملة تفتيش!

وهنا سارعت الى التدخل:

- لا تفعل ذلك مهما كانت الاسباب: المؤتمر هو "مؤتمر المواطنين الشرفاء" وفجأة البوليس!فكرّ بما يمكن ان يحدث هذا من انطباع. في مثل هذه المؤتمرات الكبيرة يمكن اي يحدث اي شيء، ولا يمر مؤتمر بدون ذلك.

تدخل احد النشطاء:

- ومن تريدون تفتيشه؟ حوالي نصف المؤتمرين تسلموا استحقاقاتهم وسافروا.

اندفع شخص من بين الجمهور يقول:

- انا اشتبه بأولئك المندوبين الذين ليسو أعضاء في جمعيتنا. سمع الكلام احد أعضاء العشر روبيات. آه، كم كان غضبه عارماً.

- هكذا اذن،نحن المذنبون في كل شيء؟ او تظن اننا جئنا الى هنا بغرض السرقة. لِمَ اعلنتم في الصحف ان كل من يريد المشاركة في استطاعته الحضور على ان يحضر معه عشرة روبيات؟ لو كنت اعلم ما سيحدث ، لما قدمت قط. لقد فقدت مني مطرة ماء، ونشلوا من جيب زميلي خمسين روبية. مما يتبادر الى الذهن انكم دعوتم الى انعقاد هذا المؤتمر لتسرقو المندوبين. فتشوا انفسكم قبل الآخرين.

ولم اتمكن من ايقافه الا بعناء. وفي الليل رتبت ملابسي ووضعتها في الحقيبة. ووضعت الحذاء الجديد وماكنة الحلاقة تحت الفراش.

نويت السفر صباحا. لقد دفعو لي بسخاء عن كل شيء، رتبت الأغراض جاء رئيس اللجنة التنظيمية، وقال:

- يا سيد بارسائي، وقت القطار الذي ستسافر فيه ما زال بعيداً. وأنا أدعوك للغداء معنا في مطعم جيد. سنغلق الغرفة.

قاطعته بحدة:

- يكفي لا يوجد قفل. سأذهب الى المحطة. ولن ابقى هنا ولو للحظة واحدة.

تعجب الرئيس جدا:

- مالذي يدعو الى كل هذا الغضب؟ تساءل الرجل.

- انني لست غاضبا قط. كما ترى كل ما كان يمكن ان يسرق تمت سرقته. حتى قفل الباب نهب. الآن جاء دوري شخصيا، إن مكثت هنا، فلا اصحو على نفسي الا وانا من ضمن المسروقات.


المزيد...

6/18/2008

العبودية

تأليف: جبران خليل جبران

إنما الناس عبيد الحياة وهي العبودية التي تجعل أيامهم مكتنفة بالذل والهوان ولياليهم مغمورة بالدماء والدموع.
ها قد مر سبعة آلاف سنة على ولادتي الأولى وللآن لم أر غير العبيد المستسلمين والسجناء المكبلين .
لقد جبت مشارق الأرض ومغاربها وطفت في ظل الحياة ونورها ,وشاهدت مواكب الأمم والشعوب سائرة من الكهوف إلى الصروح , ولكنني لم أر للآن غير رقاب منحنية تحت الأثقال , وسواعد موثوقة بالسلاسل , وركب جاثية أمام الأصنام .
وقد اتبعت الإنسان من بابل إلى باريس ومن نينوى إلى نيونورك ورأيت آثار قيوده مطبوعة على الرمال بجانب آثار اقدامه , وسمعت الأودية والغابات تردد صدى نواح الأجيال والقرون .
دخلت القصور والمعاهد والهياكل , ووقفت حذاء العروش والمذابح والمنابر , فرأيت العامل عبداً للتاجر والتاجر عبداً للجندي , والجندي عبداً للحاكم والحاكم عبداً للملك , والملك عبداً للكاهن, والكاهن عبداً للصنم والصنم تراب جبلته الشياطين ونصبته فوق رابية من جماجم الأموات .
دخلت منازل الأغنياء الأقوياء وأكواخ الفقراء والضعفاء , ووقفت في المخادع الموشاة بقطع العاج وصفائح الذهب , وفي المآوي المفعمة بأشباح اليأس وأنفاس المنايا فرأيت الأطفال يرضعون العبودية مع اللبن ,والصبيان يرتدين الملابس مبطنة بالانقياد والخنوع , والنساء يهجعن على أسرة الطاعة والامتثال .
اتبعت الأجيال من ضفاف الكنج إلى الشاطئ الفرات إلى مصب النيل إلى جبل سينا إلى كنائس رومية إلى أزقة القسطنطينية إلى بنايات لندن فرأيت العبودية تسير بكل مكان في موكب العظمة والجلال والناس ينحرون الفتيات والعذارى على مذابحها ويدعونها إلهاً , ثم يسكبون الخمور والطيوب على قدميها ويدعونها ملكاً ,ثم يحرقون البخور امام تماثيلها ويدعونها نبياً , ثم يخرون ساجدين لديها ويدعونها شريعة , ثم يتحاربون ويتقاتلون من أجلها ويدعونها وطنية ,ثم يستسلمون إلى مشيئتها ويدعونها ظل الله على الأرض ثم يحرقون منازلهم ويهدمون مبانيهم بإرادتها ويدعونها إخاء ومساواة ثم يجدون ويجاهدون في سبيلها ويدعونها مالا وتجارة .. فهي ذات أسماء عديدة وحقيقية واحدة ومظاهر كثيرة لجوهر واحد , بل هي علة أزلية أبدية تجيء بأعراض متباينة وقروح مختلفة يتوارثها الأبناء عن الآباء مثلما يتوارثون نسمة الحياة وتلقي بذورها العصور في تربة العصور مثلما تستغل الفصول ما تزرعه الفصول
***************
وأغرب ما لقيت من أنواع العبوديات وأشكالها :
العبودية العمياء _ وهي التي توثق حاضر الناس بماضي آبائهم وتنيخ نفوسهم أمام تقاليد حدودهم وتجعلهم أجسادا جديدة لأرواح عتيقة وقبوراً مكلسة لعظام بالية .
والعبودية الخرساء _ وهي التي تعلق أيام الرجل بأذيال الزوجة التي يمقتها وتلصق جسد المرأة بمضجع الزوج الذي تكرهه وتجعلهما من الحياة بمنزلة النعل من القدم ....
والعبودية الصماء _وهي التي تكره الأفراد على اتباع مشارب محيطهم والتلون بألوانه والارتداء بأزيائه فيصبحون من الأصوات كرجع الصدى ومن الأجسام كالخيالات .
والعبودية العرجاء _ وهي التي تضع رقاب الأشداء تحت سيطرة المحتالين وتسلم عزم الأقوياء إلى أهواء الطامحين بالمجد والاشتهار فيمسون مثل آلات تحركها الأصابع ثم توقفها ثم تكسرها .
والعبودية الشمطاء _ وهي التي تهبط بأرواح الأطفال من الفضاء المتسع إلى منازل الشقاء حيث تقيم الحاجة بجانب الغباوة ويقطن الذل في جوار القنوط فيشبون تعساء ويعيشون مجرمين ويموتون مرذولين .
والعبودية الرقطاء _ وهي التي تبتاع الأشياء بغير أثمانها وتسمي الأمور بغير أسمائها فتدعو الاحتيال ذكاء والثرثرة معرفة والضعف ليناً والجبانة إباء .
والعبودية العوجاء _ وهي التي تحرك بالخوف ألسنة الضعفاء فيتكلمون بما لا يضمرون ويصبحون بين أيدي المسكنة مثل ثوب تطويه وتنشره.
والعبودية الحدباء _ وهي التي تقود قوماً بشرائع قوماً آخر .
والعبودية الجرباء _ وهي التي تتوج أبناء الملوك ملوكاً .
والعبودية السوداء _ وهي التي تسم بالعار أبناء المجرمين الأبرياء .
والعبودية للعبودية نفسها هي قوة الاستمرار .
***************
ولما تعبت من ملاحقة الأجيال , ومللت النظر إلى مواكب الشعوب والأمم جلست وحيداً في وادي الأشباح حيث تختبئ خيالات الأزمنة الغابرة وتربض أرواح الأزمنة الآتية : هناك رأيت شبحاً هزيلاً يسير منفرداً محدقاً بوجه الشمس فسألته ( من أنت وما اسمك ؟)
قال " اسمي الحرية ".
قلت "وأين أبناؤك؟".
قال " واحد مات مصلوباً وواحد مات مجنوناً وواحد لم يولد بعد " ثم توارى عن عيني وراء الضباب .


المزيد...

6/13/2008

في خيبتي غلبتي….


تأليف: جبران خليل جبران

يا خيبتي ، يا خيبة ! يا وحدتي وانفرادي ! إنك لأعز لدي من ألف انتصار ، وأحلى على قلبي من كل أمجاد الأقطار.
يا خيبتي ، يا خيبة !
يا معرفتي لنفسي واحتقاري لذاتي ، بك أعرف أنني لا أزال فتيا سريع الخطى.فلا تغريني أكاليل الغار الذابلة الفانية.بك قد حظيت بوحدتي وانفرادي وتذوقت لذة فراري واحتقاري .
يا خيبتي ، يا خيبة !
يا سيفي البتار وترسي البراق ، قد قرأت في عينيك :

ان الانسان متى جلس على عرش الملك فقد صار عبدا.
ومتى أدرك الناس أعماق روحه فقد طوي كتاب حياته .
ومتى بلغ أوج كماله فقد قضى نحبه.
بل هو كالثمرة إذا نضجت سقطت واندثرت.

يا خيبتي ، يا خيبة !
يا رفيقي الباسل الودود ، أنت وحدك تسمعين إنشادي وصراخي وسكوتي ،وليس غيرك بمحدثي عن خفقان الأجنحة وهدير البحار ، وعن قذائف البراكين الثائرة في دوامس الليالي.
أنت وحدك تتسلقين صخور نفسي الجلمودية الشامخة.
يا خيبتي ، يا خيبة ! يا شجاعتي التي لا تموت !
أنت تضحكين معي في العاصفة، وتحفرين معي قبورا لما يموت مني ومنك ، وتقفين معي أمام وجه الشمس بجلد و بثبات ، فنكون معا هائلين راعبين .





المزيد...

مقتل سحر تحت الدرج

تأليف: ميسون أسدي

*خبر عاجل: أدلى الناطق باسم الشرطة في منطقة يافا ببيان، عن عملية قتل لفتاة عربية تسكن في حي محاذٍ للمنطقة اليهودية القريبة من تل أبيب.. وأفاد البيان بأن الشرطة تلقت بلاغًا من أحد الجيران عن وجود فتاة مقتولة في بيت الدرج، حيث تسكن في شقة مستأجرة هناك، وبأن بعض الجيران سمع صوتها وهي تستنجد، وأنها كانت تركض هاربة من بيتها إلى خارج العمارة، التي تسكنها، وكما يبدو بأنها كانت تريد الإفلات من أيدي القتلة، وكان صراخها قد ملأ السماء. وعندما هرع الجيران لنجدتها، وجدت ملقاة تحت الدرج والدماء تسيل منها بغزارة بعد أن أصيبت بطعنات عديدة. وتم استدعاء الإسعاف والشرطة، إلا أنها فارقت الحياة قبل أن تصل طواقم الإسعاف والشرطة إلى مسرح الجريمة.. وقد باشرت الشرطة بالتحقيق على الفور.

ويضيف الناطق: إن الحديث يدور عن شابة عربية عزباء تبلغ الثلاثين من العمر، وهي ليست من مدينة يافا، بل تعمل في المنطقة وتعيش بمفردها في شقة مستأجرة. ولم يفصح الناطق عن أي معلومات تدل على هوية القتيلة..

*إضافة لخبر سابق: أعلنت الشرطة في اليوم التالي لمقتل الفتاة العربية في يافا، أن المغدورة تدعى سحر جريش وهي من قرية لوبيا. وفيما بعد اغلقت الشرطة ملف القضية وسجلتها ضد مجهول، لعدم وجود الأدلة الكافية!!

*خبر عاجل وخاص: وصلنا من مصدر موثوق، أن أحد المحققين السريين، طلب فتح ملف الفتاة العربية سحر جريش التي قتلت في مدينة يافا، وذلك على أثر ما تم نشره من تعقيبات القراء على الخبر السابق، ويفيد مصدر موثوق بأن المحقق تعرف على القاتل بعد أن قرأ التعقيبات بتمعن وتمكن من الوصول إليه.

وقام مراسلنا بالاتصال بالشرطة للحصول على مزيد من المعلومات، إلا أن الشرطة امتنعت عن الإدلاء بأي معلومة، إلى حين الانتهاء من التحقيقات الجديدة.

وفيما يلي نعيد نشر التعقيبات التي أرسلها القراء إلى موقعنا على شبكة الانترنت، فور النشر الأول، ولم نقم بتغيير أو حذف أي تعقيب، حتى يتوصل قراؤنا إلى الاستنتاج الذي توصل إليه المحقق المذكور:

*التعقيبات:

1- يا الله، لا اصدق ذلك!! لا يعقل أنها ماتت.. قابلتها قبل يومين فقط، وطلبت منها إعطائي 200 شيكل فأعطتني 300 .. من يقتل مثل هذه الفتاة الرائعة؟؟ الله يرحمها ويصبـّر أهلها..

(صديق مخلص)

2- ما دامت القتيلة عربية الهوية، فهذا لا يهم الشرطة.. لو كانت الضحية يهودية فخلال 24 ساعة سيلقى القبض على الجاني، عشرات النساء العربيات يقتلن كل عام وتغلق ملفاتهن، والأنكى من ذلك أن الضحية تلجا أحيانًا إلى الشرطة لتحميها، بينما لا تحرك الشرطة ساكنا، لا بل تسلمها للقتلة.. فقط لأنها عربية.. الله ينتقم من القاتل ويكسر إيديه ويقلع عينيه.

(جان. د)

3- يا ناس فتحوا عينيكوا.. ولا تكونوا سذج.. أقاربها جنرالات كبار في الجيش، وبإمكانهم فتح وإغلاق ملفات كيفما شاءوا..

(واحد مش أهبل)

4- يا أبناء شعبنا.. حرام، والله حرام التضحية بالنساء.. والله ما إلكم دين.

(مؤمن)

5- لا يوجد دخان بدون نار.. لماذا قتلت هي بالذات.. الله يمهل ولا يهمل من يسلك بعكس شريعته.. لماذا تعيش شابة عزباء لوحدها بعيدا عن أهلها؟ شو بدنا نقلد اليهود والأجانب؟؟؟

(مؤمن حقيقي)

6- صدقوا أو لا تصدقوا، شيء يشبه الكذب.. أقسم أنني أقول الحقيقة.. فأنا املك حاسة سادسة قوية جدا، عقلي الباطني توقع حدوث هذه المصيبة، أسكن في نفس الحي حيث عاشت سحر. وقبل مقتلها بشهر أنتباتني حالة من الهلع الشديد، لدرجة أنني كنت أخاف السير في الشارع وحدي، شعرت وكأن أحدا يطاردني وسيطعنني من الخلف، امتنعت عن الخروج ليلا.. توقعت أن أمرا سيئا سيحدث، وبعد مقتلها تبددت مخاوفي، هل أنا مهددة مثلها؟! أسكنك الله فسيح جنانه يا سحر.

(جارة متنبهة)

7- من قتلها؟ ولماذا أغلق ملفها؟هل للأهل علاقة بالموضوع، لقد قتلت ابنتهم بوحشية لو كان لها أهل محبون، لطاردوا القاتل، وتمكنوا من زجه في السجن..

(س. و. ج)

8- يا نساء العالم اتحدوا ضد القمع الذكوري، إن قتل النساء والسكوت عليه أصبح من شيمنا.. نطالب رجال المجتمع، رجال الدين، والسياسة أن لا يقفوا مكتوفي الأيدي ضد هذه الظاهرة النكراء، من أجل المحافظة على مقاعدهم ومناصبهم.. إن دماء أختنا سحر لن تذهب سدى، نامي يا سحر مطمئنة قريرة العين وسنواصل الدرب من أجل ان يعاقب كل مجرم على جريمته

(حركة نساء من أجل تغيير السلطة)

9- البنت الشريفة تحترم دينها وأهلها وأهل بلدها، واللي بتعصي الشرع الله لا يردها..

(عبدالله مؤمن)

10- الله لا يرد أمثالك يا عبدالله مؤمن.. أضوي من وجهي..

(شريفة شرف)

11- أنا صديق سحر، أكثر من أخ، لقد تجولت سحر في عدة دول أجنبية، لتجنيد الأموال من أجل مشاريع للمصلحة العامة، وبدأت بتنفيذ مشاريعها في عدة قرى عربية، ولقد حاول بعض أقاربها استغلالها وسلب المال منها، ولكنها رفضت بشدة التواطؤ معهم. هذه الشابة أسست أربع مكتبات عامة في قرى عربية فقيرة.. أقامت شبكة مكتبات يا متخلفين.. إنها إنسانة مثقفة وواعية!!!

(خ. ي. ر)

12- رأيت صورتها في الصحف.. مسكينة، ما زالت شابة، اغتصبوا حياتها ظلما يا حرام.

(أم شفيق)

13- التقيت بسحر في أحد الندوات السياسية، وكانت شابة مفعمة بالحياة، لها عشرات الصداقات العابرة مع شخصيات رسمية ومعروفة في الحياة السياسية، كنت أحب مجالستها، رغم خشية الرجال من ثرثرتها، تتحدث بعفوية عن علاقاتها العابرة وعن أسرار رجالها.. إنسانة بسيطة، كريمة ومعطاءة، كونت مجموعة من الأعداء حولها بسبب صراحتها وعفويتها.. فقد كانت كما الكتاب المفتوح.. تتحدث بصراحة عما يحدث معها دون أن تحسب حساب أكبر مسؤول..

(عارف علام)

14- سحر كانت شابة متحررة مظهرا وجوهرا، تفعل ما تشاء بلا حسيب أو رقيب.. ألومها لأنها لم تحترم عادات وتقاليد القرية التي يعيش فيها أهلها.

(حفيظة مفتاح)

15- رأيت شقيقها الأكبر قبل مقتلها بأسبوع يجلس مع شخصية سياسية معروفة جدا.. في أحد المطاعم.. وأعتقد أنه كان يساعدها في نشاطها من أجل فعل الخير، ولا يعقل أن لعائلتها مصلحة في موتها.. فهي رفعت أسم عائلتها بين الناس..

(منير الشواف)

16- اسمع يا أخ منير الشواف.. هذا السياسي الذي تتحدث عنه، نعرفه ونعرف أنه على علاقة مع أهلها منذ فترة طويلة، وهو لا يفقه بالسياسة شيئا.. هو مجرد رأسمالي، جمع نقوده بطرق مشبوهة والجميع يعرف ذلك..

(فتحي أبو فهيم)

17- لماذا ننتظر من الأهل التدخل وملاحقة المجرم؟ فربما لأحدهم مصلحة في موتها.. لذلك أطالب من الجمعيات الحقوقية أن تتقدم بشكوى ضد الشرطة المتقاعسة، فمن يسكت على الجريمة يكون مشاركًا فيها بطريقة أخرى..

(إيهاب)

18- شكرا يا أخ إيهاب على فكرتك الجريئة، وأنا أضيف بأن لدي وثائق تثبت بأن الشرطة متعاونة مع بعض الأطراف التي طلبت إغلاق الملف.. فكيف تفسرون إغلاق ملف قتل بهذه السرعة..

(مؤيد)



المزيد...

ثوب رامو

تأليف : خوجا أحمد عباس (الهند)
ترجمة: د. حسين جمعة

أمد الله في عمرك يا مولاي!أعزّك ربنا يا سيدي! اسمح لي ان اتسلم نصيب زوجتي وابنتي من الخبز أرجوك يا سيد ... ستظلان العمر كله تصليان من اجلك ومن اجل اولادك يا مولاي!

- اغرب عني اذا كان عندك ابنة وزوجة فلماذا لا تحضران الى هنا بنفسيهما؟

اقشعر بدن "رامو" من جراء هذه الكلمات، انزوى جانبا بصمت وهو يمسك بالأرغفة الأربعة وقطعتي الكعك. ماذا يمكن ان يقول لهؤلاء الناس، ان زوجته وابنته لا تخرجان من البيت لان ملابسهما قد تحولت منذ امد بعيد الى أسمالٍ بالية وهما تخجلان من الظهور امام عيون الجيران!

لم يكن لدى الثلاثة سوى رداء واحد كان يرتديه "رامو" عندما يذهب ليبحث عن عمل. تذكر يوم استلم آخر مرتب له – لقد مر على ذلك عدة شهور ! لقد فتش دلهي ، وهو يريد ثوبين واحد لزوجته، والآخر لابنته. وكان على استعداد لدفع مبلغ عشرة روبيات ثمنا لهذين الثوبين، الا انه لم يعثر عى اي ثوب في اي مكان – وعرض عشرين روبية ثمنا لهما ، ولكن بلا طائل قطع المنطقة التجارية كلها وهو يلقي بنظراته الى المحلات الكبرى والحوانيت الصغيرة، الا ان الجميع كانوا يجيبونه لا يوجد لدينا طلبك.

حقا لقد همس له احد اصحاب الدكاكين مرة قائلا:

- اذا كانت الملابس ضرورية لك يا صديقي، فانا على استعداد ان اجد لك زوج منها ، ولكن ذلك يكلفك خمسين روبية. خمسون روبية، لقد عمل شهرا كاملا من الفجر وحتى المساء ، وهو يحمل على ظهره الطوب ، وحصل نتيجة ذلك على خمسة وعشرين روبية فقط. من اين يأتي بخمسين روبية؟

منذ ذلك الوقت وهو محروم من هذا الاجر الزهيد .. لقد اشتغل في بناء معسكرات جديدة للجنودالأمريكيين، الا ان العمل قد توقف عندما غادر الامريكان البلاد الى اوطانهم، والنية تتجه الآن الى هدم البنايات القائمة، كما حُددت مواد البناء بشكل صارم وتوقفت جميع اعمال البناء الخاصة.

لذا فان "رامو" لم يعمل في اي مكان منذ عدة شهور . لقد طوَّف المدينة كلها. وهو يبحث عن عمل ، ولكن مساعيه ذهبت هباء ، ولما اندفعت موجة اللاجئين من البنجاب ، اصبحت الحياة اكثر صعوبة. وها قد مر يومان ولم يدخل جوف "رامو" وزوجته وابنته اي شيء من الطعام. وقد يبدو انه سيضطر الى طلب الصدقة ! اهذا يليق ب"رامو" البناء والحجار صاحب الخبرةالطويلة! ومذا في الأمر ، ولم لا؟ يوجد بين اللاجئين افندية حقيقيون ، وهؤلاء يعيشون جزئيا على التبرعات.

وقر قراره في هذا الصباح على ان يبدأ حياة جديدة – ان يخرج الى الشارع ويمد يده. ولكن الله انقذه من العار. فقد حضر مع الفجر كل من "شرح الدين" و "مازيتا" يحملان اليه نبأ سارا : سيقوم الكاهن "غولدريلال" اليوم بتوزيع الخبز والحلوى على الفقراء. يقال ان البلاد قد حصلت على ما يسمونه "الاستقلال" وعلى شرف هذا الحدث الكبير سيتبرع الكاهن باطعام الجائعين. وسرت شائعات كثيرة تقول بان الكاهن صديق للزعماء الوطنيين ...

سيستلم في هذا اليوم العظيم كل شخص ، وبدون بطاقات ، اربعة ارغفة وقطعتين من الكعك ولكن هل هذا يكفي لثلاثة اشخاص لم يتناولو اي شيء منذ يومين ؟ آهٍ لو تسنى له ان يحصل على نصيب زوجته وابنته ... ولكن ، هيهات ان يحصل على اي شيء من هذا القبيل ، لأنه يتعين عليهما ان تذهبا بنفسيهما ، ولكن كيف يتم ذلك ، اذا كانتا لا تجدان ما يغطي عورتيهما ؟ لو ان الله يبعث اليه ببضعة يردات من القماش !

في هذا الصباح حقق الرب حلمه حيث استجاب ل"رامو" وبعث اليه بقطعة قماش ضخمة رائعة ذات خطوط واسعة و ألوان برتقالية ... بيضاء وخضراء، وسنبلة زرقاء في وسط الخلفية البيضاء ما ان دلف الى رصيف شارع كوفلت – بليس. كانت قطعة القماش مشروعة في الهواء واحاطت برأس "رامو" لم يكن هناك شك في ان هذه كانت هدية الرحمن ؟ رفع "رامو" رأسه فاذا به يشاهد مئات من هذه القطع كانت ترفرف فوق سطوح المنازل ، وتهتز بين الأعمدة وعلى ابواب الفنادق والمحلات التجارية. وفكر "رامو" هامسا من سيلتفت الى قطعة واحد من هذه القطع الكثيرةانها هدية من الرب بعثها اليه.

كان الجمهور الذي يملأ الساحة مشغولا بنفسه، ولم يعره احد اي اهتمام. اقدم "رامو" بسرعة على لف هذه القطعة ذات الألوان البرتقالي الابيض والاخضر، اخفاها تحت ردائه البالي وهرول مسرعا الى البيت . الآن يكون في استطاعة زوجته وابنته ان تحصلا على الأرغفة من بيت الكاهن. اعطى "رامو" رداءه القديم لزوجته لانه لباسها الاصلي ، واعطت هي بدورها اسمالها الباليه لابنتها كي تخفي عورتها. اما "رامو" نفسه فقد شد القطعة الجديدة حول خصره.

ابستمت زوجته وهي تتطلع الى زيه الانيق كم كان سعيدا وهو يرى ابتسامتها بعد ايام الشقاء الطويلة.

توجه الجميع الى قصر الكاهن حيث كان بقية الفقراء يحصلون على طعامهم. كان الخبز قد جف منذ فترة وتناقص عدد الكعك الذي يحصل عليه الفرد الا ان الامر بالنسبة لاسرة "رامو" كان وليمة حقيقة.

ولما مروا ثانية بشارع كونات – بليس صاح احد اصحاب الدكاكين مناديا "رامو":

- اي، انت ! من اين سرقت هذا العلم؟
- علم ؟ اي علم ؟ انا لا اعرف شيئا عن الاعلام.
- أه لا تعرف !؟ وما الذي تربطه حول جنبيك؟
- هذا .... هذا ......

وفجأة ارتعدت فرائص "رامو" من شدة الخوف ، ولم يستطع ان يتفوه بأي كلمة. احاط الناس بهم من كل جانب ، وتزايد عدد الجمهور بسرعة.

- هذا العلم من محلنا! ونحن نبحث عنه ....
- ..... انظروا الى هذا الوغد – (شيّكَ) نفسه بالعلم، ويسير متبخترا في الشوارع!
- انزعه ايها الوقح !
- اضروبه ...! انه لص لعين !
- اطلبوا البوليس ! اين البوليس !
- يا سيد الشرطي ! تعال هنا ! تعال هنا ! هذا نصيبك ... ما ان وضع الشرطي المذنب تحت حراسته حتى سارع احد الفتيان الشياطين بنزع العلم عن خصر "رامو" بحركة سريعة – اقشعرت زوجة رامو من شدة الهول ، اما ابنته فقد استدارت كل لا ترى فضيحة والدها.
- ها ها ها ! هي هي هي! كانت قهقهات الجمهور المبتهج شبيه بقصف الحجارة الحادة تلسع جسد "رامو" العاري. لم يكن يتمنى آنذاك سوي شيء واحد ان تنشق الارض وتبتلعه.

تعاطف احد المارة الطيبين معه واعطاه وشاحه. ولما غطى "رامو" جزءاً من جسده رفع رأسه وتطلع الى معذبيه. لقد تجمد الدمع في عينيه كان مستعدا لاي شيء مهما كان – ان يسجن ، وان يوضع الحديد في يديه على ان يأخذوه بسرعة من هنا.

- ها ... ها ... قد وقعت! ايها الحرامي اللعين، او ... او!
- ماذا فعل ؟ سأل احد المارة وهو يقترب من الجمهور! بينما كان الشرطي يقود "رامو" وسط زعيق الجمهور. اجابه احد الرجال المطلعين –كما يبدو- على قانون الجنايات قائلا:
- انه لم يرتكب جريمة واحد فقط بل ثلاثة جرائم كاملة.
- ثلاث جرائم كاملة؟ وما هي؟
- أولا لقد سرق.
- وثانيا؟
- لقد اهان العلم الوطني.
- وثالثا؟
- لقد ظهر عاريا في مكان عام، وانت تعرف ان هذا يعاقب عليه القانون ايضا.

وكانت ألاف الأعلام الثلاثية الالوان ترفرف عاليا في السماء وكأنها تهزأ بهم.



المزيد...

دليا إيلينا سان ماركو

تأليف : خورخي لويس بورخيس
ترجمة: علي مزهر

ودّعنا بعضنا في زاوية الشارع " الحادي عشر ". من الرصيف المقابل استدرتُ لأنظر إلى الوراء، أنت أيضاً التفتِّ، ولوحت ِ لي مودِّعةً.
نهرٌ من السيارات والبشر كان يتدفّقُ بيننا، والساعة تشير إلى الخامسة في ظهيرة صيفٍ عادية. كيف لي أن أعرف أنّ ذاك النهر كان نهر آكَرون المُحزِن، الذي لا يُقـْهَر.؟
لم نلتق ثانيةً، وبعدها بعام، صرتِ أنتِ في عدادِ الأموات.
الآن عندما أنشدُ تلك الذاكرة وأتمعن فيها، أظن أنّها وهمٌ، وأنّ بعد ذاك الوداع العادي فراقٌ أبديٌ.
سهرتُ الليلة الماضية بعد العشاء وأعدتُ قراءة تعاليم أفلاطون الأخيرة كما وضعها في فم أُستاذه. قرأتُ أنّ الروح ربما تطوفُ بعد فناء الجسد.
والآن لا أعلم فيما إذا كانت الحقيقة تكمن في التأويل المشؤوم التالي، أو في الوداع الذي لاشكّ فيه.
فإذا لم تمت الأرواح، فمن الصائب تماماً أن لا نولي اهتماماً كبيراً عندما نودّع بعضنا البعض.
فحين نقول وداعاً يعني أننا ننكر الفراق. يشبه ذلك تماماً قولنا أننا " نمارس اليوم الفراق ،ولكننا سنلتقي غداً". اخترع الإنسان الوداع لأنه يعلم إلى حد ما أنه خالدٌ، وإن بدا أحياناً مجانيّاً وزائلاً.
سنلتقي، يا دِليا، في وقتٍ ما - ونبدأ ثانية - قرب أي نهرٍ؟- هذا الحوار اللايقيني، وسنسأل بعضنا فيما إذا كنا،في مدينة مفقودة على سهل ما، حقّاً بورخيس و دِليا.


***


آكَرون: نهر الجحيم ( ميثولوجيا يونانية)




المزيد...