آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

11/23/2014

لعنة التكرار لجمانة مصطفى

التكرار ثقافة القطيع

 المرآة:

بحسب الأسطورة الصينية لم يكن عالم البشر منفصلا عن عالم المرايا كما هو الحال اليوم، وكانت الكائنات تتحرك بسلام بين العالمين حتى جاءت الليلة التي غزا بها أهل المرآة عالم البشر ودارت بينهم معارك دامية.
من حسن حظ البشر أن الامبراطور الأصفر استطاع بالاستعانة بالسحر أن يهزم أهل المرايا ويسجنهم فيها، وأوقع عليهم لعنة التكرار بأن حرمهم من أشكالهم وأصبحوا مجرد انعكاسات لنا.
وتقول الأسطورة أن سكان المرايا سينتفضون وسيقل شبههم بنا تدريجيا، وحينها ستبدأ معركة شديدة يشاركهم بها سكان المياه، ويقال أننا سنسمع صليل أسلحة خافت خارج من المرايا قبل المعركة.
هذا في المرايا
لكن ما الذي يُجبر عالم البشر الخضوع للعنة تكرار بعضهم؟
أنظر إلى الشوارع وسترى الأشباه يتحركون كمن خرجوا من مصنع واحد، هذه اسمها الموضة.
افتح التلفزيون وسترى المذيعات والمغنيات مستنسخات وفق نفس المعيار، هذا اسمه التقليد.
تابع الفيسبوك وستجد الجميع إما يحتفلون بعيد ميلاد أو ذاهبون لحفل تأبين، أو يلمعون بواريدهم ، هذه اسمها المزاودة.
افتح كتب الشعر وستجد أكثر من درويش وأكثر من ماغوط، كذلك الحال في الرسم، وفي الموسيقى، وفي كافة الفنون. وهذا اسمه التأثّر.
افتح الصحف وتابع تعليقات القراء، وستجد أن الغالبية مع قتل الفتاة التي ذبحها أخوها، هذه اسمها العادات والتقاليد.
خارج عالم المرآة أيضا سقط البشر في لعنة تكرار أنفسهم، وهذا الحشد من المتشابهين إسمه الأغلبية يا روحي.
نفسية الأغلبية معروفة، هي تشعر بالغرور، وبالانتصار، وبأنها على صواب، لا تتقبل الرأي الآخر، ويطمئن أفرادها لاحساسهم بالحماية داخلها، وبالتالي فدينونة الأغلبية هي التكرار والتشابه. وبامكانك تسميتها الموروث، أو العرف السائد، أو المتفق عليه، أو نبض الشارع.
كل التسميات تصب لصالحها.
حاول أن ترتد عن رأي الأغلبية وستجد نفسك تحت كومة من المتكالبين بسلطة الاستقواء.
حاول ألا تشبه من يشبهون بعضهم وستجد ألف من يسخر منك أو يكفّرك أو يغتالك أو يهمّشك.
حاول أن تنسلخ من الرأي المتفق عليه تجاه قضية ثقافية أو دينية أو وطنية وستفهم ما أقول.
قل لا أحب معظم أغنيات فيروز وكثيرا ما أصابتني بالملل.
قل أن عددا غير قليل من الفنانين هم ناسخون لا متأثّرون.
قل أن الصحافة الثقافية يحركها الانتفاع بالمال والجنس والشهرة.
جرب أن تقول أنك لا تعتقد أن المقاومة انتصرت في غزة، وأن المليارات ستتم مقاسمتها بين مقاولي حماس والشركات الإسرائيلية التي ستصدر مواد إعادة الإعمار.
قل أن الربيع العربي فشل، وأن دم الشباب لن يعوّض.
قل أنك نادم.
أو
قل أنك علماني بكل ما يحمله الاعتراف من خطر.
قل أنك كررت الآخرين حين خرجت تهتف من الجوامع مع من سيكنسون ثقافة العالم بلحاهم.
قل أنك تؤمن بحريات لا تخطر على بال إنسان.
قل أنك تنتمي لشعب يقنن ويشرع ويقدس القمع والقتل والإقصاء ولا يرفضه.
قل أنك ساكت لأنك لا تريد أن تُنبذ. ولأن محيطك لا يتقبل إلا المرايا.
قل أنك لن تقول ما تعرف، لكنك تعرف ما تقول.
بهكذا اعترافات تخسر الأغلبية وتحتفظ بالقلة التي تسكن خارج المرآة.
علينا أن نخسر
أريد هذه الخسارة، وأفضّل أن أتكسّر في الكهوف عن الاستمرار بتكرار الجملة الأخيرة.


***********

إيكو- الصدى:
 
كانت إيكو حورية الكلام، وكان حديثها أخّاذاً، وكانت قادرة أن توقف أيا كان من البشر أو الآلهة بكلامها الساحر.
في أحد الأيام رأت إيكو زيوس متجها للالتقاء بأحد الحوريات خلف تلة، وبعد قليل شاهدت هيرا "زوجة زيوس" ساخطة من غيرتها وهي تبحث عنه.
إيكو لكي تختصر الشر استوقفت هيرا وبدأت بفتح حديث في ذيل حديث حتى هدأت الأخيرة، ومع حلول الليل شاهدت هيرا زيوس وهو يخرج من خلف التلة هو والحورية، فغضبت غضبا شديدا ولعنت إيكو بأن حرمتها من الكلام، واقتصر لسانها على تكرار آخر جملة تسمعها.
وعشان ما نطوّل إيكو أحبّت نرسيس وعجزت عن البوح بحبها رغم محاولاتها تكرار نهايات كلامه، ومع الوقت أصابها الحزن والذبول ويقال أن بقايا روحها التي تكسرت لا زالت تسكن في الكهوف والوديان.