منذ بداية الأحداث في سوريا وأنا أعيش تلك الحالة من الصراع مع الذات بين الاستمرار في المحاولة لتغيير تلك الحالة الهمجية التي تسيطر يوما بعد يوم على الواقع العربي وبين الشعور بأن الحل غير ممكن وأن الهجرة قد تكون المهرب الوحيد لنا من طوفان الدم الهادر في الوطن العربي.
إن المتتبع لأحداث ما يسمى بالربيع العربي كان يستطيع بسهولة تنبأ الحالة التي ستصل لها سوريا بعد الثورة ذلك أن مفهوم الثورة بدأ على أساس انتقامي طائفي مدعوم بشكل مباشر من دول هدفها بعيد جدا عن الحرية والديموقراطية وحلم الاسقرار. وهذا ما جعلني بالأساس اغير موقفي تجاه الثورة السورية من مؤيد لها لمناهض ومعارض.
في الأمس كشف زميل سابق لي عن قناعه وقد كنت احتملت ثقالة دم تعليقاته واصراره على استفزازي لفترة طويلة من خلال القاء تسميات على كالشيوعي والليبرالي والعلماني وحتى الشبيح. لم أكن لأحذفه من صفحتي لأنني كنت اعتقد أن في داخل كل واحد فينا مازال هناك بقايا لأيام قضيناها معا تحت سقف واحد. لذا فإن كل اتهاماته وهجومه لم يكن ليشعرني باي نوع من الاستفزاز ذلك انني لا اعتقد أن اي من التسميات السابقة قد تكون تهمة او جريمة بل هي نيشان اضعه على صدري حتى التشبيح فهو بمثابة الملائكية بمقابل ما نراه كل يوم من ذبح للرقاب وقتل بالجملة من توجهات الاسلام السياسي والجماعات الإرهابية التابعة لها وبمقابل ما قدمه لي من عرض يؤكد فيه على أننا بالنهاية لسنا مواطنيين وأننا كلنا بأقل تقدير مطرودين من بيوتنا كما فعل الدواعش بأهل الموصل المسيحيين.
المخيف أن عدد اللايكلات التي تجدها على مثل هذه المنشورات كبير وعدد منها يكون لأصدقاء او جزء من عائلتك فكيف لنا أن نثق بأننا بعد زوال الأنظمة قد نكون محميين؟ وأي أمان هذا الذي قد نستشعر به ونحن نرى اصدقائنا يشعرونا بهذا التهديد؟ لذا فقد تكون الأنظمة السابقة دكتاتورية وقد تطون استخدمت وتستخدم أدوات كثيرة من تعذيب واستغلال بهدف قمع المعارضين، وحتى تصفيتهم، ولكننا على الأقل كنا نجابه عدو قادرين على معرفة حدود إجرامه ونستطيع في الكثير من الأوقات التعامل مع شروره وتجنبها ومحاولة الضغط عليه لتحصيل مساحات اكبر من الحرية لنا وقدرة أكبر على المسائلة. وكنا نعلم أننا إن لم نتجاوز هذه الحدود فلنا أن نعيش.
اليوم عدونا لا حدود لشروره ولا مقدرة لنا على مسائلته او التفاوض معه، اليوم عدونا تجاوز كل الحدود الإنسانية واستخدم كل الأدوات الإجرامية واستغل كل الكائنات الحية، اليوم يستخدم عدونا الأطفال والنساء ويسكن المساجد وبيوت الله. فلم نكن بيوم نتوقع ان نرى هذه المشاهد المقززة من نحر للرقاب وتقطيع للرؤوس وقتل بالجملة واغتيالات على الهوية وكل هذا بإسم الله أكبر.
كيف لنا أن نحارب سرطان الطائفية والكراهية هذا وهو يتغلل بداخلنا كل يوم باسم الدين والله. كيف لنا أن نجابه هذا السرطان وهو يستخدم ضدنا الأطفال والأصدقاء والعائلة ويحملهم أسلحة ليذبحونا بها بدم بارد وبشعور تام بالراحة وهداة البال أنهم قاموا بإعلاء كلمة الله وقتل الكفرة الخوارج.
يقال أن هتلر لم يكن خائفا من العرب فهو كان يعتقد أن العرب سيقلون بعضهم البعض اليوم فإن سكين الطائفية غرست بداخل قلب هذه الأمة وهي تنزف منهكة وقد قاربت على الموت فهل ستتحقق نبوءة هتلر أم اننا قادرين على اخراج انفسنا من هذا المأزق؟