آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

3/07/2015

من صفة الدكتور محمد الشحرور: عن الموروث الفقهي

الدكتور محمد شحرور
كتب الدكتور محمد شحرور على صفحته عبر الفيسبوك:

يتساءل البعض لماذا نحمل الموروث الفقهي كل ما نحن فيه من تخلف، وأجيب بأننا في العالمين العربي والإسلامي، نرزح تحت كل أنواع الاستبداد، العقائدي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكلها لها منشأ من إرثنا ذاك.

ففي الجانب العقائدي ترسخت لدينا فكرة أن أعمارنا وأرزاقنا وأعمالنا مكتوبة منذ الأزل فحشرنا علم الله المطلق في غير محله، وكأنه سبحانه وتعالى خلق الوجود وكتب كل شيء ثم أدار ظهره، وهذا غير صحيح، إذ هذا يجعلنا نختصر احتمالات علم الله للاحتمال الواحد، ويجعلنا نقبل بهذا الاحتمال، وبالتالي يصبح الإنسان مسيراً ولا حاجة لدعائه ولا معنى لحسابه، ثم نلجأ للف والدوران، فنقول أن المجرم ارتكب جريمة دون أن يعلم أن الله كتب عليه أن يرتكبها، بينما الصحيح أن الله كامل المعرفة، ولا يحتاج إلى تزكيتنا، ومشيئته هي في وجود الأضداد بشكل مطلق في السلوك الإنساني، ومن هنا ينشأ مفهوم الخطأ والصواب، والطاعة والمعصية، وعلينا أن نتيقن من قوله تعالى {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} فبين من قبل ومن بعد توجد لحظة الآن وهي ملكنا وليست لله، وفيها نتخذ القرار وننقل احتمالاً ما إلى أمر واقع، وكلاهما في علم الله، والأمر بعد أن يقع يسجل علينا، لكنه لم يكتب منذ الأزل.

فإذا وضعنا في قناعاتنا أن الإنسان مسؤول عن أفعاله وأن هناك حساباً، وما يقع علينا من ظلم واضطهاد ليس مكتوباً منذ الأزل، بل الظلم والعدل متكافآن في علم الله، نستطيع حينها أن نتغلب على عقدنا ولا ندع أحداً يضطهدنا أو يقصف أعمارنا.

أما في الجانب الفكري فقد بدأ الاستبداد في عصر التدوين، حيث جرى تأطير الإسلام بكتب الحديث وأصول الفقه وأصول اللغة العربية، وتم التوقف عند ذاك العصر، علماً أن الله تعالى لم يفوض أهل القرن السابع الميلادي بالتفكير عنا، بل قال {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت 20) فتركنا هذه الآية ونظرنا في كتب الأثر وجعلناها حجتنا في بدء الخلق وأرحنا أنفسنا، في حين جاء من نتهمهم بالكفر وطبقوا الآية وما زالوا يعملون بها ليسبروا معالم الكون، ونحن أصبحنا سخرية الأمم وكأن الآية لا تعنينا، وكرسنا فكرة أنه لا يمكن أن يكون بيننا عباقرة بمستوى القرون الأولى، وتم إسقاط هذا الاستبداد الفكري والنظرة الدونية للذات على كل نواحي حياتنا، فاعتدنا مبدأ التلقين والحفظ بدل التفكير، ومبدأ كيل الاتهامات للغير بدل البحث العلمي والاكتشاف.

والله تعالى يقول {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }، فهل نزيد في الصلاة أم نطلق لحانا؟ أم نأمر النساء بالحجاب؟ علماً أن الإسلام لا يعاني من عدد المصلين، والأماكن المقدسة لا تتسع للحجاج، وعدد الملتحين في ازدياد، فما هو التغيير المطلوب؟ الجواب هو التيقن أننا نملك خياراتنا، وأن نتبع العلم المبني على البينة والنقاش وليس على الاتباع الأعمى.